فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 221

المشابهة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، وإنما بالأثر والقوة والقدرة، ولا مشابهة بينه وبين الجارحة نفسها. وخير نموذج في القرآن لبيان علاقة غير المشابهة في المجاز المرسل؛ قوله تعالى: وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ «1» .

فكلمة «محيط» على الصعيد المجازي، تبرز ذات دلالة، تتعدى معنى الإحاطة التقليدية، فليست إحاطة الله هنا إحاطة مكانية، كإحاطة القلادة بالجيد، أو السوار بالمعصم، وإنما هي إحاطة مجازية، خارجة عن حدود الإحاطة المكانية، كإحاطة ذي القوة بمن ليس له حول ولا قوة، وكإحاطة ذي الشأن المتعالي بمن لا يدانيه سيطرة وإعدادا، إذ لا يمكن أن تفسر هذه الإحاطة بالمكان- وإن استوعبت المكان- لأن الله تعالى فوق حدود المكان، وإذا كان الأمر كذلك فلا بدّ من التوسع في اللفظ وحمله على المجاز فيكون المعنى كما أشار الزمخشري:

«والمعنى أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به حقيقة» «2» . وإذا كان المعنى كذلك، علمنا أن لا مشابهة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، فانصرف التمثيل إلى المجاز المرسل بعلاقة ما ولكنها غير المشابهة.

ومهمة المجاز المرسل مهمة لغوية، فاللفظ هو اللفظ، والمعنى لذلك اللفظ لغة، المعنى نفسه، إلا أنه في دلالته الثانوية حينما يراد به المجاز نجده قد انتقل بتطور ذهني، وبتصور متبادر إليه في السياق، فهو في حالته الأولى لم يتغير معناه الحقيقي في استعماله الحقيقي، وإنما بقي على ما هو عليه، وقد كانت القرينة هي الصارفة عن هذا المعنى إلى سواه في الاستعمال المجازي، سواء أكانت القرينة حالية أو مقالية.

والمجاز المرسل وإن كان مدار الحديث في الصلة بين النفس والإرادة الاستعمالية، ورمز التطور اللغوي في الانتقال من معنى إلى معنى، إلا أننا يجب أن لا نتطرف فيه وفي ادعاء انطباقه على صنوف التعبيرات

(1) البقرة: 19.

(2) الزمخشري، الكشاف: 1/ 85.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت