فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 221

اللغوية حتى وإن أريد بها معناها الأصلي، لأن ذلك مما يشوه حقيقة البيان، ودلالاته البلاغية، ومما يحمل الكلام أكثر من طاقته التي تنهض به إلى مستوى التعبير الأدبي، فيعود ذلك تكلّفا مقيتا، وتمحلا مذموما ترفضهما طبيعة النصوص الأدبية الراقية.

لقد لاحظ الدكتور أحمد بدوي: أن كثيرا ممن تعرضوا لدراسة القرآن الكريم، قد تكلفوا كثيرا في التماس أمثلة المجاز المرسل من القرآن، حتى بلغوا من ذلك حد التفاهة،

ومخالفة الذوق اللغوي، ولو أننا سرنا على منهجهم لوجدنا في كل ما ننطق به مجازا، وليس في ذلك كبير نفع، ما دامت الكلمة لا تسترعي انتباه القارئ، ولا تستوقفه لتبين السر في استخدامها.

يقول الدكتور أحمد بدوي: «لا أريد أن أمضي في بيان ما تكلفوه، وجروا وراءه من تلمس الأسباب لعد الآيات من باب المجاز اللغوي [يريد بذلك المجاز المرسل دون الاستعارة] ، وكل ما أريد قوله هنا هو أن أكثر هذه الكلمات أصبحت توحي بالفكرة من غير أن يثار في النفس المعنى المجازي.

خذ مثلا قوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ (4) «1» فإنهم قالوا: إن فيه إطلاق الكل على البعض، والمراد تعجبك وجوههم، لأن الأجسام لا ترى كلها، وإنما يرى الوجه فحسب، ولا أرى تأويلا أبعد من هذا التأويل عن روح الآية، فالجسم وإن كان لا يرى كله، من المستطاع أن يدرك الإنسان بنظره ما عليه الجسم من جمال يبعث على الإعجاب، ولا تريد الآية: تعجبك وجوههم، ولكنها تريد يعجبك ما عليه أجسامهم من ضخامة، وما يبدو فيها من مظاهر النماء والقوة، وما عليه وجوههم من جمال ونضرة» «2» .

هذه الملحوظة وما قاربها لا تخلو فيما يبدو من وجه سديد، إذ لا معنى للتكلف المفرط الذي يخرج النص عن ذائقته الأدبية ودائرته الفنية

(1) المنافقون: 4.

(2) أحمد أحمد بدوي، من بلاغة القرآن: 224 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت