ففي هذا الأنموذج الأعلى عدة استعمالات مجازية تدور حول هذا الفلك، فقد وصف القرية بكونها آمنة مطمئنة، وقد علم بالضرورة أن الأمن والاطمئنان لا تتصف بهما مرافق القرية وجدرانها، وإنما يتنعم بهما أهلها وسكانها، فعبر مجازا عن طريق إطلاق اسم المحل وهو القرية على الحال فيها وهم الأهل والساكنون. وعبر عن الرزق بأنه يأتي، والرزق ليست له حركة ولا إرادة في التنقل والقصد، وإنما الله تعالى هو الذي يسخر من يجلب الأرزاق، ويأتي بها- وهو الرزاق ذو القوة المتين- من كل مكان إلى هذه القرية تعبيرا عن تنعمها وعيشها الرغيد، فكان الرزق يقصدها سائرا متوافرا.
إن الذائقة الفنية تقتضي تتبع شذرات القرآن الكريم في هذا العطاء الضخم، لأنه يمثل الحس العربي الأصيل، والإرادة الاستعمالية المتطورة، والمناخ الفني المضيء، ففي ذلك تكمن القدرة الخارقة في استيحاء التلازم الذهني، بين الأصل والفرع في الاستعمال، والترابط البياني في الانتقال من معنى إلى معنى، والتوسع في دلالات الألفاظ، إفصاحا عن المشاعر، وتعبيرا عن العواطف، وصيانة للغة والتراث.