فالحق والباطل أمران معنويان، ولا يقع عليهما الضرب وهو أمر مادي، والضرب لا يقع إلا من جارحة أو سواها على قابل، وليس لله جارحة، ولا الحق بقابل لذلك، ولا الباطل بموضع للضرب، وإنما هو تعبير مجازي عن محق الباطل وظفر الحق.
هـ- التغليب «وهو إعطاء الشيء حكم غيره، وقيل ترجيح «أحد المغلوبين على الآخر، وإطلاق لفظه عليهما، إجراء للمختلفين مجرى المتفقين» «1» .
كقوله تعالى بالنسبة إلى مريم ابنة عمران:
وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ «2» .
فغلب عليها صفة الذكور، ولو لم يرد المعنى المجازي في ذلك، لجاء بالأصل الموضوع للإناث وهو القانتات، ولكنه أطلقه على الذكور والإناث من باب التغليب. وقد عد الزركشي ذلك من المجاز «لأن اللفظ لم يستعمل فيما وضع له، ألا ترى أن القانتين موضوع للذكور الموصوفين بهذا الوصف، فإطلاقه على الذكور والإناث على غير ما وضع له» «3» .
وفي ختام هذا الفصل لا بدّ أن نشير إلى دلالة ذات أهمية بيانية في القرآن الكريم، وهي أن القرآن في طرحه لنماذج المجاز المرسل نجده كثيرا ما يسند الفاعلية إلى الجماد، فيصفه بالحركة، ويشيع الحس بالكائنات الصامتة، فكأنها ناطقة تتكلم، ويضفي مناخ القدرة والقوة على ما لا حول له ولا قوة، اعتدادا منه بهذه الظاهرة البيانية، ولعله يريد بذلك أن يفجر روافد بلاغية جديدة ذات إطار تجددي على مجموعة الممارسات البيانية في اللغة العربية الكريمة، ولعل خير ما يمثل ذلك قوله تعالى:
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ ... «4» .
(1) السيوطي، الاتقان: 3/ 121.
(2) التحريم: 12.
(3) الزركشي، البرهان: 3/ 312.
(4) النحل: 112.