فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 221

بوقت واحد، فالاستخدام الديني متمثل بالتعلق بنتائج هذا التشبيه فيما يؤثره في النفس الإنسانية رغبة أو رهبة رغبة في الوعد الحسن، والثواب الجزيل، والجزاء الذي لا حدود لإفاضاته، ورهبة من المصير المرعب، والعذاب المستمر، والهوان المتراكم، والاستخدام الفني وهو يضفي ذلك المناخ الديني يجيء زيادة في الإيضاح، وعمدة في التصوير، حتى يعود المتخيل محققا والمستبعد قريبا، والخفي واضحا، وذلك بإضفاء الصفات المتعددة على الشيء الواحد بغية التطلع إلى مجموعة جديدة من الهيئات المركبة المتداخلة التي امتزجت وكأنها صورة واحدة وهي عدة صور.

لقد أوضح عبد القاهر (ت: 471 هـ) هذا الملحظ الدقيق بقوله:

وربما انتزع (يعني وجه الشبه) من عدة أمور يجمع بعضها إلى بعض ثم يستخرج من مجموعها الشبه، فيكون سبيله سبيل الشيئين يمزج أحدهما بالآخر حتى تحدث صورة غير ما كان لهما في حال الأفراد، لا سبيل الشيئين يجمع بينهما وتحفظ صورتهما، ومثال ذلك قوله عزّ وجلّ:

مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا ... (5) «1» .

الشبه منتزع من أحوال الحمار، وهو أنه يحمل الأسفار التي هي أوعية العلوم، ومستودع ثمر العقول ثم لا يحس بما فيها ولا يشعر بمضمونها، ولا يفرق بينها وبين سائر الأحمال التي ليست من العلم في شيء، ولا من الدلالة عليه بسبيل، فليس له مما يحمل حظ سوى أنه يثقل عليه، ويكد جنبيه، فهو كما ترى مقتضى أمور مجموعة، ونتيجة لأشياء ألفت، وقرن بعضها إلى بعض.

بيان ذلك: أنه احتيج إلى أن يراعى من الحمار فعل مخصوص وهو الحمل، وأن يكون ذلك المحمول شيا مخصوصا وهو الأسفار التي فيها أمارات تدل على العلوم، وأن يثلث ذلك بحمل الحمار ما فيها حتى يحصل الشبه المقصود. ثم إنه لا يحصل من كل واحد من هذه الأمور على

(1) الجمعة: 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت