«ولا شك أن هذه الوجوه لا تشمل كل أقسام المقسم، فمن التشبيهات ما ليس بوجه من هذه الوجوه كتشبيه غير الواضح بالواضح كما ترى ذلك في كثير من الآيات القرآنية، وكالتشبيه الذي يقصد به ما أكنه سبحانه، وما خلق، وما دبر، فهو تقريب بالمغيب عنا إلى المعلوم لنا، وما عند الله أعظم وأكبر، وقد يكون التشبيه لتقريب المعنى الكلي من المعنى الجزئي أو لتصوير المعنى الكلي في بعض جزئياته» «1» .
والواقع- فيما يخيل إليّ- أن ما أبانه أبو زهرة قد اشتمل عليه تقسيم الرماني دلالة وإشارة، إذ الأقسام الأربعة التي أوردها الرماني تستوعب هذه الجزئيات التي استنبطها أبو زهرة: من تشبيه غير الواضح بالواضح، والمغيب بالمعلوم، وتقريب المعنى الكلي من المعنى الجزئي، أو تصويره في بعض الجزئيات، فتشبيه ما لم تجر به العادة إلى ما جرت به العادة يستوعب تشبيه غير الواضح بالواضح، لأن ما لم تجر به العادة أمر غير متضح للذهن فشبه بالواضح فزال الغموض، والواضح هو ما جرت به العادة، وتشبيه ما لم تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه يشمل تشبيه المغيب ذهنيا بالمعلوم حسيا. وتشبيه ما لا قوة له في الصفة إلى ما له قوة فيها هو بالذات تشبيه لتقريب المعنى الكلي من المعنى الجزئي، وبه يصور المعنى الكلي في بعض جزئياته إلى حد ما، وبهذا يندفع إشكال الأستاذ أبي زهرة.
ويرى الدكتور بدوي طبانة أن التشبيه في جريانه على أصله «هو ما يلحق فيه الأدنى بالأعلى، والمجهول بالمعلوم، والخفي بالجلي، والناقص بالكامل، وأن الأصل في ذلك اعتبار وجه الشبه الذي يكون أوضح وأتم في المشبه به منه بالمشبه ... وأن التشبيه المقلوب هو ما عكست فيه هذه الأمور فيدعي أن العلم والجلاء والكمال متوافرة في المشبه على درجة أتم من توافرها في المشبه به» «2» .
وهذا الرأي دقيق للغاية، وتدعمه الأدلة في سريان حكم التشبيه على
(1) محمد أبو زهرة، المعجزة الكبرى، القرآن: 220 - 221.
(2) بدوي طبانة، علم البيان، دراسة تاريخية فنية في أصول البلاغة: العربية: 100.