وطوال هذا التلخيص تبين مقدرة ابن رشد على أن يكون دليلا خبيرا إلى فكر أرسطو. وهو يميز بدقة بين رأيه الشخصى ورأى أرسطو، فنراه في أحيان كثيرة يبرز عبارة أرسطو مميزة في شكل واضح مسبوقة بكلمة «قال» وفى أحيان أخرى نراه يقدم عبارة أرسطو مع بعض التغيير في لغة الترجمة العربية للأورجانون، وهو في هذه الحالة يتصرف بفكر وتدبر دون متابعة عمياء لأرسطو كما يزعم بعض الباحثين الذين كتبوا عن ابن رشد. وبينما وردت كلمة «قال» في بداية كل فصل من فصول الجزء الأول فإنها لم ترد إلا ستا وعشرين مرة في أقسام وفصول الجزء الثاني وهى اثنين وأربعين قسما وفصلا كما لم ترد إلا إحدى عشرة أو اثنتى عشرة مرة في أقسام وفصول وأقوال الجزء الثالث وهى خمسة عشرة قسما وفصلا وقولا. وبعبارة أخرى فإن استعمال ابن رشد لكلمة «قال» أو عدم استعماله لها لا يشكل سمة مطردة في تعريف تلاخيص ابن رشد. فقد استخدم بالفعل
كلمة «قال» خمس مرات فقط في تلخيص العبارة مرة منها في الفصل الأول ومرتين في كل من الفصلين الرابع والخامس.
وتبدو القاعدة على الأصح في ما يقدمه ابن رشد في تأليف ما. فهنا كما في التلاخيص الأخرى في المنطق يهتم ابن رشد بتوضيح ما كان يحاول أرسطو أن يقوله في كتابه. ولذلك فابن رشد يحترم ترتيب النص والأهمية المتناسبة التي أعطاها أرسطو لكل من القضايا المختلفة. ونرى ابن رشد ينفصل عن نص أرسطو لحل المسائل التي يرى أنها مثيرة للبحث بوجه خاص، أو لتصحيح ما يعتبره تأويلا خاطئا للفارابى أو لهؤلاء الذين يطلق عليهم «المفسرون» أو لإيضاح ما فهمه على أنه الغرض العام لأرسطو في الكتاب. وبناء على ذلك فهو يقبل ما قدمه أرسطو من تفسير لكل مقولة، ويتابعه في الحديث المفصل عن أربع منها فقط.
وعلى كل حال فإن ملامح تأويلات أو تلاخيص ابن رشد تبدو متشابكة بالقدر الذي يجعل بحثها جديا يحتاج إلى بحوث تفصيلية متشابكة. ومن المهم هنا الآن تفهم القصد العام لأرسطو كما عبر عنه ابن رشد، وهو لا يرى أن كتاب المقولات كتاب علمى، رغم أنه يسلم بأن كتاب المقولات يقدم الأصول لصناعة هامة جدا هى صناعة البرهان. وبالأخرى فإن ابن رشد يرى أن أرسطو قد أسس أقواله على مشهورات، وأيضا حاول أن ينقل القارئ من ما في بادئ الرأى الذي هو جزء من الحياة اليومية إلى استخدام أدق للكلام، أو ينقله إلى إدراك أكبر لما تنطوى عليه أنواع مختلفة من الأقاويل. وهذا الحكم من ابن رشد على أرسطو باعتماده على المشهورات في أحوال كثيرة أو باعتماده على ما في بادئ الرأى سمح له أن يوضح قضايا في النص كانت تحير الآخرين [10] .
(10) انظر: ابن رشد، تلخيص كتاب المقولات من هذه النشرة، فقرة 109، 113، 49، 59، 60، 61.