إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة المستفيضة المصرحة بلزوم الجماعة فلما رأى أحمد هذا الحديث الواحد يخالف هذه الأحاديث وأمثالها أمر عبد الله بضربه عليه وأما من جزم بصحته فقال هذا في أوقات الفتن والقتال على الملك ولزوم الجماعة في وقت الاتفاق والتئام الكلمة وبهذا تجتمع أحاديث النبي التي رغب فيها في العزلة والقعود عن القتال ومدح فيها من لم يكن مع أحد الطائفتين وأحاديثه التي رغب فيها الجماعة والدخول مع الناس فإن هذا حال اجتماع الكلمة وذاك حال الفتنة والقتال والله أعلم والمقصود أن ضرب الإمام أحمد على هذا الحديث لا يدل على صحة كل ما رواه في مسنده عنده.
قال أبو موسى وقال ابن السماك حدثنا حنبل بن إسحاق قال جمعنا أحمد بن حنبل أنا وصالح وعبد الله وقرأ علينا المسند وما سمعه منه غيرنا وقال لنا هذا كتاب جمعته من سبعمائة ألف وخمسين ألف حديث، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله فارجعوا إليه فإن وجدتموه فيه وإلا فليس بحجة.
قلت هذه الحكاية قد ذكرها حنبل في تاريخه وهي صحيحة بلا شك؛ لكن لا تدل على أن كل ما رواه في المسند فهو صحيح عنده فالفرق بين أن يكون كل حديث لا يوجد له أصل في المسند فليس بحجة وبين أن يقول كل حديث فيه فهو حجة وكلامه يدل على الأول لا على الثاني وقد استشكل بعض الحفاظ هذا من أحمد وقال في الصحيحين أحاديث ليست في المسند وأجيب عن هذا بأن تلك الألفاظ بعينها وإن خلا المسند عنها فلها فيه أصول ونظائر وشواهد وأما أن يكون متن صحيح لا مطعن فيه ليس له في المسند أصل ولا نظير فلا يكاد يوجد ألبتة.