أيضا لأن البذل جعالة عند المشترطين للمحلل في هذا العقد وبذل الجعل في الجعالة لا يتوقف على محلل سواء كان من أحد الجانبين أو من كليهما إذ غايتها أن تكون جعالة من الطرفين وحلها لا يتوقف على محلل كما لو أبق لكل واحد منهما عبد فقال كل منهما للآخر إن رددت عبدي فلك عشرة وبذل السبق عندهم هو هذا فإنهم يدخلونه في قسم الجعالات، وأما بطلان إحلاله لأجل السبق فكذلك أيضا لأن أكل هذا السبق إن كان حراما بدون المحلل فهو حرام بدخوله فإنه لا تأثير له في حل ما كان حراما عليهما وإن لم يكن حراما بدخول المحلل لم يكن حراما بدونه فإنه لا تأثير له في عملهما ولا في دفع المخاطرة في عقدهم بل دخوله إن لم يضرهما لم ينفعهما.
وقالوا: أيضا فالله سبحانه وتعالى حرم الميسر في كتابه كما حرم الخمر والميسر هو القمار وتحريمه إما أن يكون لنفس العمل أو لما فيه من أكل الباطل أو لمجموع الأمرين وليس هنا قسم رابع، وأيما كان فليس في هذا العقد المتنازع فيه واحد من الأمور الثلاثة بل هو خال عنها فإن المغالبات في الشرع تنقسم ثلاثة أقسام أحدها ما فيه مفسدة راجحة على منفعته كالنرد والشطرنج فهذا يحرمه الشارع ولا يبيحه إذ مفسدته راجحة على مصلحته وهي من جنس مفسدة السكر ولهذا قرن الله سبحانه وتعالى بين الخمر والقمار في الحكم وجعلهما قرينتي الأنصاب والأزلام وأخبر أنها كلها رجس وأنها من عمل الشيطان [30] ، وأمر باجتنابها وعلق الفلاح باجتنابها وأخبر أنها تصد عن ذكره وعن الصلاة وتهدد من لم ينته عنها، ومعلوم أن شارب الخمر إذا سكر كان ذلك مما يصده عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع العداوة والبغضاء بسببه، وكذلك المغالبات التي تلهي بلا منفعة كالنرد والشطرنج وأمثالهما تصد عن ذكر الله وعن الصلاة لشدة التهاء النفس بها واشتغال القلب فيها أبدا بالفكر، ومن هذا الوجه فالشطرنج أشد شغلا للقلب وصدا عن ذكر الله وعن الصلاة ولهذا جعله بعض العلماء أشد تحريما من النرد