وأما القسم الثالث وهو ما ليس فيه مضرة راجحة ولا هو أيضا متضمن لمصلحة راجحة يأمر الله تعالى بها ورسوله فهذا لا يحرم ولا يؤمر به كالصراع والعدو والسباحة وشيل الأثقال ونحوها، فهذا القسم رخص فيه الشارع بلا عوض إذ فيه مصلحة راجحة وللنفس فيه استراحة وإجمام وقد يكون مع القصد الصالح عملا صالحا كسائر المباحات التي تصير بالنية طاعات فاقتضت حكمة الشرع الترخيص فيه لما يحصل فيه من إجمام النفس وراحتها واقتضت تحريم العوض فيه إذ لو أباحته بعوض لاتخذته النفوس صناعة ومكسبا فالتهت به عن كثير من مصالح دينها ودنياها، فأما إذا كان لعبا محضا ولا مكسب فيه فإن النفس لا تؤثره على مصالح ديناها ودنيها ولا تؤثره عليها إلا النفس التي خلقت للبطالة.
قالوا: بهذا التقسيم تتبين حكمة الشرع في إدخاله السبق في الخف والحافر والنصل ومنعه فيما عداها وتبين به أن الدخيل لا مصلحة فيه للمتسابقين ألبتة، قالوا (31) وأيضا فالشرع مبناه على العدل فإن الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وقد حرم الله سبحانه الظلم على نفسه وجعله محرما بين عباده والعقود كلها مبناها على العدل بين المتعاقدين عقود المعاوضات والمشاركات، جائزها ولازمها وإذا كان مبنى العقود على العدل من الجانبين فكيف يوجب في عقد من العقود أن يبذل أحد المتعاقدين وحده دون الآخر وكلاهما في العمل والرغبة سواء وكل واحد منهما راغب في السبق والكسب فما الذي جوز البذل لأحدهما دون الآخر، قالوا وأيضا فالمحلل كأحدهم في العمل والرغبة فما الذي أوجب عليهما بذل ماليهما إن سبقهما وحرم عليه وعليهما بذل ماله لهما إن سبقاه مع تساويهم في العمل من كل وجه فأي قياس أو أي نظر أو أية حكمة أو أية مصلحة توجب ذلك.