حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس وفي حديث عبد الله بن الحارث.
وهذه الروايات لا تناقض فيها فإن من روى قصة المصارعة منهم من ذكر الرهن من الجانبين ومن لم يذكر الرهن لم ينفه بل سكت عنه واقتصر على بعض القصة ومن ذكر قصة تسبيق ركانة بالشاة لم ينف إخراج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [46] أيضا بل سكت عنه فذكره عبد الله بن الحارث ولو نفى بعض الرواة إخراج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للرهن صريحا وأثبته البقية لقدم المثبت على النافي كما في نظائره وإذا ثبت هذا فهو دليل على المراهنة من الجانبين بلا محلل وهو نظير مراهنة الصديق فإن كل واحد منهما مراهنة على ما فيه ظهور الدين فإن ركانة هذا كان من أشد الناس ولم يعلم أن أحدا صرعه فلما صرعه النبي علم أنه مؤيد بقوة أخرى من عند الله ولهذا قال والله ما رمى أحد جنبي إلى الأرض فكان لا يغلب فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بمصارعته إظهار آيات نبوته وما أيده الله به من القوة والفضل وكانت المشارطة على ذلك كالمشارطة في قصة الصديق لكن قصة الصديق في الظهور بالعلم وهذه في الظهور بالقوة والقدرة والدين إنما يقوم بهذين الأمرين العلم والقدرة فكانت المراهنة عليهما نظير المراهنة على الرمي والركوب لما فيها من العون على إظهار الدين وتأييده.
فهي مراهنة على حق وأكل المال بها أكل له بحق لكن النبي لما كان غرضه إعلاء الحق وإظهاره رد عليه المال ولم يأخذ منه شيئا فأسلم الرجل وهذه المراهنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصديقه هي من الجهاد الذي يظهر الله به دينه ويعزه به فهي من معنى الثلاثة المستثناة في حديث أبي هريرة ولكن تلك الثلاثة جنسها يعد للجهاد بخلاف جنس الصراع فإنه لم يعد للجهاد وإنما يصير مشابها للجهاد إذا تضمن نصرة لحق وإعلائه كصراع النبي ركانة وهذا كما أن الثلاثة المستثناة إذا أريد بها الفخر والعلو في الأرض وظلم الناس كانت مذمومة.