فالصراع والسباق بالأقدام ونحوهما إذا قصد به نصر الإسلام كان طاعة وكان أخذ السبق به حينئذ أخذا بالحق لا بالباطل والأصل في المال أن لا يؤكل إلا بالحق وألا يؤكل بباطل وهو ما لا منفعة فيه فحديث ركانة هذا أحد طرقه صريحة في الرهان من الجانبين من غير محلل والطريق الأخرى لم تنف ذلك بل لم تكن عادة العرب وغيرهم وإلى الآن أن يبذل السبق أحد المتغالبين وحده وإنما المعروف من عادات الناس التراهن من الجانبين وقد جعل [47] في طباعهم وفطرهم أن الرهن من أحد الجانبين قمار وحرام والنفوس تحتقر الذي لم يبذل وتزدريه وتعده بخيلا شحيحا مهينا ومما يوضح أن التراهن كان من الجانبين في هذه القصة أن ركانة لما غلبه النبي وأخذ منه شاة طلب ركانة العود وإنما ذلك ليسترجع الشاة ولم يكن له غرض في أن يغرم شاة أخرى وثالثة ولو كان البذل من ركانة وحده لم يكن له سبيل لاسترجاع الشاة التي خرجت منه بل إذا غلب غرم شاة أخرى وإن غلب لم يفرح بأخذ شئ فلم يكن ليطلب العود إلى صراع هو فيه غارم ولابد ولا سبيل له إلى استنقاذ ما غرمه ألبتة وهذا بخلاف ما إذا كان التراهن من الجانبين كما هو الواقع كان المغلوب على طمع من استرجاع ما غرمه فيحرص على العود.
والمقصود أن الرهن لو كان من جانب واحد وهو جانب ركانة لم يكن له في العود بعد الغرم فائدة أصلا بل إما أن يغرم شاة ثانية وثالثة مع الأولى وإما أن تستقر الأولى للنبي وهذا مما يعلم أن ركانة لم يقصده بل ولا غيره من المتغالبين وإنما يقصد المغلوب بالعود استرجاع ما خرج منه وغيره معه وهذا الأثر يدل على جواز المراهنة من الجانبين بدون محلل في عمل يتضمن نصرة الحق وإظهار أعلامه وتصديق الرسول صلاة الله وسلامة عليه وهذا بخلاف العمل الذي وجوده مكروه بغيض إلى الله ورسوله متضمن للصد عن ذكره فإن هذا لا يجوز فيه مع إخراج العوض وهذا على أحد الوجهين في مذهب الشافعي وأحمد ظاهر جدا فإنهم يجوزون المسابقة بالعوض