لا يمكننا أن نحدد التاريخ الذي استطاع فيه ابن الأبار أن يسترضي المستنصر وأن يفوز بعفوه، ولكن ابن الأبار لم يستطع أن يحتفظ برضى السلطان طويلا بعد عودته إلى تونس، ذلك أنه كانت تبدو منه نزوات تغضب المستنصر [1] ، فكان يدل دائما بعلمه، ويتدخل أحيانا في أمور لا تعنيه! وأصبح السلطان إذا ورد عليه لغز أو معمّى أو مترجم بعث به إلى ابن الأبار فيحله، حتى إذا دخل عليه لم يكلمه ولم يلتفت إليه، وكان ابن الأبار يتشكى من ذلك ويتألم [2] ، وينعى على الزمان سوء حظه [3] :
علت سني وقدري في انخفاض ... وحكم الربّ في المربوب ماض
إلى كم أسخط الأقدار حتى ... كأني لم أكن يوما براض
ولقد حاول ابن الأبار محاولة أخيرة أن يستعيد مكانته لدى السلطان فباء بالخذلان وعجّل بنكبته! ذلك أنه حضر يوما مجلس السلطان فسمعه يسأل بعض من حضر عن مولد ولده الواثق، فغدا عليه ابن الأبار في اليوم التالي برقعة فيها تاريخ الولادة وطالعها [4] ، فلما رآها المستنصر استشاط غضبا من فضوله وتطفّله، وكانت وشايات الحساد لا تني توغر صدر السلطان، وتتهم ابن الأبار عنده بتوقع المكروه للدولة، وتشنّع عليه لنظره في النجوم، فأمر السلطان بالقبض عليه، ومصادرة جميع كتبه ومؤلفاته،
(1) يقول ابن خلدون: «كان في ابن الأبار أنفة وبأو (كبر) وضيق خلق، وكان يزري على المستنصر في مباحثه ويستقصر مداركه مع ما كان يسخط به السلطان من تفضيل الأندلس وولاتها عليه» 1/ 430 431
(2) نفح الطيب: 3/ 349
(3) أزهار الرياض: 3/ 222
(4) ابن خلدون: 1/ 431، وتاريخ الدولتين للزركشي: ص 27