الآخر فالإصحار لك والرضا بحكومتك، فاعتلى الرجاء لعفوك الخوف من بادرتك، وعلمت أني لم أعجزك فيما مضى من سالف الأيام، ولأنت أعظم شأنا من الذي لم تعد قدرته الحيرة، إذ يقول له النابغة [1] :
فإنّك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
فأنا أسألك مسألة، يعظّم الله عليها أجرك، ويجزل عليها ذخرك، وأسألك بحق نعم الله إلّا بللت ريقي بعفوك، وفرّجت الضيقة التي لزمتني بعطفك». فكتب إليه يحيى بالأمان له والعفو عنه.
وفي (الكتاب المعرب عن المغرب [2] ، أن حجر بن سليمان هذا، كان من أفصح الناس، مع أدب الكتابة وظرفها، فلما ولي يزيد بن مزيد الشيباني [3] أرمينية، بعث إليه، فأمر فشقّت ثيابه، وقال: والله لأزيلنّ لحمك وعصبك عن عظمك، لا والله ما طلبت ولاية أرمينية إلّا لأشفي نفسي منك! فقال: لا تعجل أيها الأمير، فإن تكن يدك عالية علينا فيد الله أعلى، فانظر إلى من فوقك، ولا تنظر إلى من تحتك، فكلّ رب من العباد مربوب لذي القوة المتين الذي ينتقم إذا شاء في عاجل! أعيذك بالله أيها الأمير أن تساعد غضبك فتندم وخذ الفوز في الدين والدنيا بالعفو، فإن الله يقول: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلََا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللََّهُ لَكُمْ وَاللََّهُ}
(1) ديوان النابغة: 77والبيت من الطويل
(2) يذكر بروكلمان (في الملحق: 1/ 194) كتابا بهذا الاسم لأبي هلال العسكري، وقد وصلت إلينا نسخة خطية منه (مكتبة عاشر أفندي باستانبول: 433، 3)
(3) انظر ما تقدم ص: 46، حاشية: 5