الرشيد يومئذ، فما عوّلت في الشكر إلّا على تقبيل باطن رجليه! ثم قال: اذهب قد أحللتك محلّ يحيى، ووهبت لك ما ضمّته أبنيته وحواه سرادقه، فاقبض الدواوين، وأحص جباء جعفر لنأمرك بقبضه إن شاء الله. قال سهل: فكنت كمن نشر من كفن وأخرج من حبس.
ثم جلّت حال سهل عند الرشيد وخصّ به، فدخل عليه يوما وهو يضاحك ابنه المأمون، فقال [1] : أللهمّ زده من الخيرات، وابسط له في البركات، حتى يكون كل يوم من أيامه موفيا على أمسه، مقصرا عن غده! فقال الرشيد: يا سهل، من روى من الشعر أحسنه وأجوده، ومن الحديث أصحّه وأبلغه، ومن البيان أفصحه وأوضحه، إذا رام أن يقول لم يعجزه، فقال: يا أمير المؤمنين: ما ظننت أن أحدا تقدّمني إلى مثل هذا المعنى! قال: بلى، أعشى همدان حيث يقول [2] :
رأيتك أمس خير بني لؤيّ ... وأنت اليوم خير منك أمس
وأنت غدا تزيد الخير ضعفا ... كذاك تزيد سادة عبد شمس
واستثقل المأمون سهل بن هارون [3] ، فدخل عليه يوما والناس على منازلهم، فتكلّم المأمون بكلام ذهب فيه كلّ مذهب، فلما فرغ أقبل سهل على ذلك الجمع فقال: ما لكم تسمعون ولا تعون! وتشاهدون ولا
(1) الخبر في العقد: 2/ 13
(2) البيتان من الوافر، وذكرهما الجاحظ في رسالته (كتمان السر وحفظ اللسان) انظر مجموع رسائل الجاحظ (كراوس والحاجري) : 38
(3) الخبر في البيان والتبيين: 1/ 319318والعقد: 2/ 1413