تفهمون، وتفهمون ولا تعجبون، وتعجبون ولا تنصفون! أما والله إنه ليقول ويفعل في اليوم القصير مثل ما قالت وفعلت بنو مروان في الدهر الطويل، عربهم كعجمهم وعجمهم كعبيدهم، ولكن كيف يعرف الدواء من لا يشعر بالداء! فرجع المأمون فيه الى الرأي الأوّل.
وهذا كاستثقال الحجّاج زياد بن عمرو العتكي [1] ، فلما وفد على عبد الملك بن مروان، والحجاج حاضر، قال: يا أمير المؤمنين، إنّ الحجاج سيفك الذي لا ينبو، وسهمك الذي لا يطيش، وخادمك الذي لا تأخذه فيك لومة لائم فلم يكن بعد ذلك أحد أخفّ عليه منه.
وشبيه بثناء زياد على الحجاج ثناء أبي دلف العجلي [2] / على عبد الله بن طاهر [3] عند المأمون، حين دخل عليه بعد الرضا عليه، فسأله عن عبد الله بن طاهر، فقال: خلّفته يا أمير المؤمنين أمين غيب، نصيح جيب، أسدا فينا قائما على براثنه، يسعد به وليّك، ويشقى به عدوّك، رحب الفناء لأهل طاعتك، ذا بأس شديد لمن زاغ عن قصد محبتك، قد فقّهه الحزم وأيقظه العزم، فقام في نجز الأمور، على ساق التشمير، يبرمها بأيده وكيده، ويفلّها بحدّه وجدّه، وما أشبّهه في الحرب إلّا بقول
(1) الخبر في العقد: 2/ 14
(2) هو القاسم بن عيسى (226هـ) أمير جواد شجاع، من قادة جيش المأمون، وللشعراء فيه أماديح، الأعلام: 6/ 13
(3) عبد الله بن طاهر (230هـ) أمير خراسان ومن أشهر الولاة في العصر العباسي، وكان المأمون كثير الاعتماد عليه، ويقال إنه كان تبنّاه ورباه. الأعلام: 4/ 226