ووجه دلالة الآيات المذكورة على ذلك أن اللسان العربي الذي نزل به القرآن يطلق اسم الشيطان على كل عات متمرد من الجن والإنس والدواب ومنه قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُواْ ?لَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُو?ا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى? شَيَـ?طِينِهِمْ قَالُو?اْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} ، وقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِىٍّ عَدُوًّا شَيَـ?طِينَ ?لإِنْسِ وَ?لْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى? بَعْضٍ زُخْرُفَ ?لْقَوْلِ غُرُورًا} ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «الكلب الأسود شيطان» وقول جرير: أيام يدعونني الشيطان من غزلي وكن يهوينني إذ كنت شيطانا
ولا شك أن أصحاب الأقمار الصناعية يدخلون في اسم الشياطين دخولًا أوليًا لعتوهم وتمردهم.
وإذا علمت ذلك فاعلم أنه تعالى صرح بحفظ السماء من كل شيطان كائنًا من كان في عدد آيات من كتابه كقوله هنا: {وَحَفِظْنَـ?هَا مِن كُلِّ شَيْطَـ?نٍ رَّجِيمٍ} وقوله:
{أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا ?لسَّمَآءَ ?لدُّنْيَا بِمَصَـ?بِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ ?لْعَزِيزِ ?لْعَلِيمِ} إلى غير ذلك من الآيات.
وصرح بأن من أراد استراق السمع أتبعه شهاب راصد له في مواضع أخر كقوله: {فَمَن يَسْتَمِعِ ?لاٌّنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا} وقوله: {إِلاَّ مَنِ ?سْتَرَقَ ?لسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ} وقوله: {إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ?لْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} وقال: {إِنَّهُمْ عَنِ ?لسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ}
وقال: {أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَـ?نٍ مُّبِينٍ} وهو تعجيز دال على عجز البشر عن ذلك عجزًا مطلقًا، وقال: {أَمْ لَهُم مٌّلْكُ ?لسَّمَـ?وَ?تِ وَ?لاٌّرْضِ وَمَا بَيَنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى ?لاٌّسْبَابِجُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ?لاٌّحَزَابِ} فقوله في هذه الآية الكريمة: {فَلْيَرْتَقُواْ فِى ?لاٌّسْبَابِ} ، أي فليصعدوا في أسباب السموات التي توصل إليها.
وصيغة الأمر في قوله: {فَلْيَرْتَقُواْ} للتعجيز وإيرادها للتعجيز دليل على عجز البشر عن ذلك عجزًا مطلقًا. وقوله جل وعلا بعد ذلك التعجيز: {جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مّن ?لاْحَزَابِ} يفهم منه أنه لو تنطع جند من الأحزاب للارتقاء في أسباب السماء أنه يرجع مهزومًا صاغرًا داخرًا ذليلًا، ومما يدل على أن الآية الكريمة يشار فيها إلى شيء ما كان يظنه الناس وقت نزولها إبهامه جل وعلا لذلك الجند بلفظة ما في قوله: {فِى مَا} وإشارته إلى مكان ذلك الجند أو مكان انهزامه إشارة البعيد في قوله: {هُنَالِكَ} ولم يتقدم في الآية ما يظهر رجوع الإشارة إليه إلا الارتقاء في أسباب السموات.
فالآية الكريمة يفهم منها ما ذكرنا، ومعلوم أنها لم يفسرها بذلك أحد من العلماء، بل عبارات المفسرين تدور على أن الجند المذكور الكفار الذين كذبوه صلى الله عليه وسلم، وأنه صلى الله عليه وسلم سوف يهزمهم، وأن ذلك تحقق يوم بدر أو يوم فتح مكة، ولكن كتاب الله لا تزال تظهر غرائبه وعجائبه متجددة على مر الليالي والأيام، ففي كل حين تفهم منه أشياء لم تكن مفهومة من قبل، ويدل لذلك حديث أبي جحيفة الثابت في الصحيح أنه لما سأل عليًا رضي الله عنه هل خصهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ قال له علي رضي الله عنه: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يعطيه الله رجلًا في كتاب الله وما في الصحيفة الحديث فقوله رضي الله عنه: إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في كتاب الله يدل على أن فهم كتاب الله تتجدد به العلوم والمعارف التي لم تكن عند عامة الناس، ولا مانع من حمل الآية على ما حملها عليه المفسرون.
وما ذكرنا أيضًا أنه يفهم منها لما تقرر عند العلماء من أن الآية إن كانت تحتمل معاني كلها صحيحة تعين حملها على الجميع كما حققه بأدلته الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية رحمه الله في رسالته في علوم القرآن.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)