الحمد لله، قديمًا قيل"ليس راءٍ كمن سمع"، ولا شك أن مخالطة العلماء، وثني الركب في حلق العلم، من المقاصد التي حث عليها دين الإسلام، وفي ذلك يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم - كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي أخرجه مسلم: (ما جلس قوم مجلسًا يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده) ، وهذه الرحمة تشمل حتى من أتى لحاجة لا لطلب العلم فإنهم (القوم، لا يشقى بهم جليسهم) . ومن أهم الفوائد التي لا تدرك غالبًا إلا في حضور مجالس العلم: التأثر بهدي العلم وسمته وخلقه، وكيفية سماعه للسؤال وإصغائه للسائل، كما كان الإمام أحمد في دروسه التي يحضرها المئات، وكثير منهم قد لا يسمع صوت المستملي؛ لكن إنما يحضر ليتأثر بهدي الإمام وسمته ودله.
ومما أذكره في هذا الشأن أن الشيخ عبدالعزيز الراجحي مقتديًا في ذلك بشيخه مستنًا بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم يكثر من التسبيح في أول افتتاح دروسه بعد الفجر، بصوت يؤثر في النفس ويبعث على الخشوع.
ومن فوائد حضور الدروس انشراح الصدر برؤية أهل الخير وإن كانت مواطن رؤيتهم ولله الحمد كثيرة، لكن حين ترى شيخًا قد احدودب ظهر وشاب عارضاه يحضر درسًا من دروس العلم فإن هذا يحفز النفس ويدعوها إلى مزيد من الحرص على حضور مثل هذه الدروس.
أيضًا من الفوائد لمن يحضر دروس الفجر خاصة، أن ذلك يبعثه غالبًا على النوم مبكرًا ليكون في الدرس حاضرًا بجسمه وعقله.
كما أن حضور الدروس يهيئ للطالب السؤوال عما أشكل في حينه، وهو أدعى إلى رسوخ الإجابة في الذهن.
ومن الفوائد أيضًا ما قاله معاذ رضي الله عنه:"لولا ثلاث ما أحببت البقاء، ... ، ومزاحمة العلم بالركب عند حلق العلم، ومجالسة أقوام ينتقون الكلام كما ينتقى أطايب الثمر".
وهي فوائد جمة تجل عن الحصر، ويعجز البيان عن الإحاطة بها.
وهذا لا يعني التقليل من فائدة الشريط، بل في كل خير، وإنما ذكرت ما رئيته مميزًا للحضور عند أهل العلم.
وأختم بما قاله ابن دقيق العيد رحمه الله:
ولله قوم كلما جئت زائرًا وجدت نفوسًا كلها ملئت حلمًا
إذا اجتمعوا جاؤوا بكل طريفة ويزداد بعض القوم من بعضهم علمًا
تساقوا كؤوس العلم في روضة التقى فكلهم من ذلك الرأي لا يظما
نفوس على لفظ الجدال قد انطوت فنبصرها حربًا ونعقلها سلمًا
وما ذاك من جهل بهم غير أنهم لهم أسهم شتى تنكبت المرمى
أولئك مثل الطيب كل له شذى ومجموعه أذكى أريجًا إذا شمًّا
ـ [هيثم حمدان] ــــــــ [09 - 03 - 04, 02:03 ص] ـ
بارك الله فيكم جميعًا وأحسن إليكم.