رابعًا: الذي فهمه الصحابة هو أن النبي صلى الله عليه وسلَّم بشر يتزوج ويشتهي النساء كبقية البشر وليس في ذلك تثريب - كما تقدم - , وأما الكفار فهم الذين ذكر الله عنهم أنهم يستنكرون هذا على رسل الله , فأجابهم الله بقوله: (;ولقد أرسلنا رسلًا من قبلك وجعلنا لهم أزواجًا وذرية) [الرعد:38] .
قال ابن الجوزي في زاد المسير (4/ 336) : «سبب نزولها أن اليهود عيروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكثرة التزويج، وقالوا: لو كان نبيًا كما يزعم، شغلته النبوة عن تزويج النساء، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس» انتهى كلامه رحمه الله.
فأهل القلوب المريضة هم الذين يجعلون هذا طعنًا في النبوة , أما أهل الفطر السليمة والعقول المستقيمة , فيعلمون ان ذلك لا يضر الرسالة بأدنى ضرر.
ويبين لنا استقرار ذلك عند الصحابة ما أخرج البخاري (5030) ومسلم (1425) عن سهل بن سعد t: أن امرأة جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فقالت: يارسول الله , جئت لأهب لك نفسي!!
فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلَّم , فصعد النظر إليها وصوبه , ثم طأطأ رأسه , فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئًا جلست , فقام رجل من أصحابه فقال: يارسول اللهِ إن لم يكن لك بها حاجة فزَوِّجْنيها [وهذا هو الشاهد] . فقال: وهل عِندك مِن شيءٍ؟ قال: لا والله يارسول الله، فقال: اذهب إلى أهلِك فانظر هل تجدُ شيئًا، فذهب، ثم رجع فقال: لا والله ماوَجَدْت شيئًا، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: انظُر ولو خاتمًا من حديد. فذهب ثم رجع فقال: لا والله يارسولَ الله ولا خاتمًا من حديد، ولكن هذا إزاري ـ قال سهلٌ: ـ مالَهُ رداءٌ ـ فلها نصفهُ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ماتصنَعُ بإِزارِك، إن لَبسْتَهُ لم يكن عليها منه شيءٌ، وإن لَبسَتْهُ لم يكن عليكَ منه شيءٌ. فجَلَسَ الرَّجل حتى إذا طال مجلسه قام، فرآهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مُوَلِّيًا فأمَر به فدُعي، فلما جاء قال: ماذا معك من القرآن؟ قال: معي سورَةُ كذا وسورةُ كذا ـ عدَّدها ـ فقال: تَقرؤُهنَّ عن ظهر قَلْبِك؟ قال: نعم. قال: اذهب فقد مَلَّكْتُكها بما معك من القرآن».
وفي رواية عند البخاري انه قال صلى الله عليه وسلَّم: (مالي في النساء من حاجة) فقول صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يدل على ما استقر عند الصحابة y أن النبي صلى الله عليه وسلَّم يكون له حاجة بالنساء , وكذلك قوله صلى الله عليه وسلَّم: (مالي في النساء من حاجة) يدل على جواز الحاجة عليه , فلو كانت به حاجة لقَبِلَها صلى الله عليه وسلَّم , فإن قيل: لعل الحاجة دعوية , قلنا: وهل تكون الحاج الدعوية بتصعيد النظر إلى المرأة وتصويبه , وهل كان تصويبه عليها إلا لينظر أتعجبه فيتزوجها أم لا؟!