9.وفي الصحيحين عن أم سلمة وأم حبيبة رضي الله عنهما أنهما ذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم كنيسة رأينها بأرض الحبشة، وذكرتا حسنها، وتصاوير فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة".14
10.روى حرب الكرماني عن زيد بن ثابت أن ابنًا له مات فاشترى غلام له جَصًا وآجُرًا ليبني على القبر، فقال له زيد: حفرتَ وكفرتَ، أتريد أن تبني على قبر ابني مسجدًا؟ ونهاه عن ذلك.
11.لما فتح المسلمون تُسْتَر، ووجدوا فيها قبر دانيال، ووجدوا عنده مصحفًا15، قال أبو العالية: أنا قرأت ذلك المصحف، فإذا فيه أخباركم وسيركم، ولحون كلامكم؛ وشموا من القبر رائحة طيبة، ووجدوا الميت بحاله لم يبل16، فكتب في ذلك أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب، فأمره أن يحفر بالنهار بضعة عشر قبرًا، فإذا كان الليل دفنه في قبر من تلك القبور ليخفي أثره، لئلا يفتتن به الناس، فينزلون به، ويصلون عنده، ويتخذونه مسجدًا.17
12.وفي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: كنت أصلي وهناك قبر، فقال عمر بن الخطاب: القبر القبر! فظننته يقول: القمر، وإذا هو يقول: القبر، أوكما قال.18
ما يستفاد من مجموع هذه الأحاديث والآثار
أولًا: أن المسلم إذا مات يدفن في مقابر المسلمين، ولا يدفن في غيرها، وإن وصى أن يدفن عند مسجد أوفي بيته لا تنفذ وصيته لكي لا يتخذ قبره عيدًا، سيما لو كان ممن يعتقد فيه بعض العوام.
ثانيًا: لا يحل البناء على القبور، ولا تجصيصها، ولا الكتابة عليها، ولا إنارتها إلا من أجل الدفن ليلًا، أومنعًا لدفن أحد من غير شهادة وفاة أومعرفة، تحسبًا من استغلال المجرمين لذلك.
ثالثًا: يحرم الدفن في المساجد سواء كان إلى جهة القبلة أم لا، ومن باب أولى بناء مسجد على قبر، ولا مصلى في مقبرة، سدًا للذريعة، وبالأحرى كذلك بناء القباب، ولا ينبغي لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعين على ذلك، بأجرة أوبغير أجرة، لا مهندسًا ولا بناء ونحوهما.
رابعًا: زيارة القبور جائزة للرجال ومنعت منها النساء في أرجح قولي العلماء، وقد أجاز مالك للمتجالة، والأرجح منع الجميع.
وينبغي أن يكون غرض الزائر العظة، والاعتبار، والسلام، والدعاء للأموات، أما من كان غرضه التبرك بأحد القبور، وطلب الحوائج من أصحابها، أوالنذر والذبح لأحدهم، فهذه هي الزيارة الشركية التي منع منها الشارع.
خامسًا: ينبغي لولاة الأمر منع البناء على القبور وهدم البناء الموجود، ونشر الأموات الذين دفنوا في المساجد، فهذا من أوجب الواجبات على الحاكم.
سادسًا: من نذر لقبر أوميت فلا يحل له الوفاء بهذا النذر لأنه نذر معصية، بل شرك، وكذلك يحرم الوقف من أجل القبور.
قال العلماء: إنه لا يجوز أن ينذر للقبور، لا زيت، ولا شمع، ولا نفقة، ولا نحو ذلك.
سابعًا: لا تشد الرحال لتلك القبور والمشاهدن بل لا تشد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى:"لا تشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا".19
وفي السنن أن بصرة بن أبي بصرة لما رأى بعض من زار الطور - الذي كلم الله عليه موسى - نهاه عن ذلك، وقال له: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تشد الرحال .."الحديث.
ثامنًا: يحرم عمل الحوليات والموالد للمشايخ، لا عند قبورهم، ولا في دورهم، ولا غير دورهم.
تاسعًا: من زار القبور سلم عليهم: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين.
عاشرًا: الطعام والذبائح التي تقدم إلى هؤلاء المشايخ الأموات لا يحل أكلها سواء سمى الذابح باسم الله أم لا؟ فهي مما أهل به لغير الله، ولهذا لابد من الانتباه لبعض"الكرامات"التي يحضرها البعض في المساجد.
والله الموفق للصواب، وله المرجع والمآب، وصلى الله وسلم على محمد وآله والأصحاب.
ـ [الحارثي] ــــــــ [19 - 02 - 05, 05:58 م] ـ
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)