قلت: فهذه حكاية منكرة. وفي الجملة فكل أحد يتعلل قبل موته غالبًا، ويمرض، فيبقى أيام مَرضه متغير القوة الحافظة، ويموت إلى رحمة الله على تغيُّرِه، ثم قبل موته بيسير يختلطُ ذهنه ويتلاشى علمه، فإذا قضى، زال بالموتِ حفظُه. فكان ماذا؟ أفبمثل هذا يُليَّن عالِمٌ قطُّ؟ كلا، والله، ولا سيما مثل هذا الجبل في حفظه وإتقانه.
نعم ما علمنا استغربوا مِن حديث ابن راهويه على سَعة علمه سوى حديث واحد، وهو حديثُ عن سفيان بن عُيينة، عن الزُّهري، عن عُبَيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة: في الفأرة التي وقعت في سَمن، فزاد إسحاقُ في المتن من دون سائر أصحاب سفيان هذه الكلمة «وإنْ كانَ ذائِبًا، فَلا تَقْرَبوه» . ولعلَّ الخطأ فيه مِن بعض المتأخرين، أو من راويه عن إسحاق.
نعم وحديثُ تفرد به جعفر بن محمد الفِريابي، قال: حدثنا إسحاق، حدثنا شَبَابة، عن الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن أنس، قال: «كانَ رسول الله إذا كانَ في سَفَرٍ فزالَتِ الشَّمسُ، صلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ، ثُمَّ ارْتَحَلَ» ، فهذا منكر، والخطأ فيه من جعفر، فقد رواه مسلم في «صحيحه» عن عمرو الناقد، عن شَبَابة، ولفظه: «إذا كانَ في سَفَرٍ وأرادَ الجَمْعَ، أخَّرَ الظُّهْرَ، حَتَّى يَدْخُلَ أوَّلُ وَقْتِ العَصْر، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهما» . تابعه الحسن بن محمد الزعفراني، عن شَبابَة، وقد اتفقا عليه في «الصحيحين» من حديث عُقيل عن ابن شهاب، عن أنس، ولفظه: «إذا عَجِلَ بهِ السَّيْرُ، أخَّرَ الظُّهْرَ إلى أوَّلِ وَقْتِ العَصْرِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُما» .
ومع حال إسحاق وبراعته في الحفظ، يمكن أنه لِكونه كان لا يُحدث إلا من حفظه، جرى عليه الوهمُ في حديثين من سبعين ألف حديث. فلو أخطأ منها في ثلاثين حديثًا لما حطَّ ذلك رُتبتَه عن الاحتجاج به أبدًا. بل كون إسحاق تُتُبِّع حديثُه، فلم يُوجد له خطأ قطُّ سوى حديثين، يدُل على أنه أحفظ أهل زمانه.
قال الحافظ أبو عَمرو المستملي: أخبرني علي بن سَلَمة الكرابيسي، وهو من الصالحين ــــ قال: رأيتُ ليلةَ ماتَ إسحاق الحنظلي، كأن قمرًا ارتفع مِن الأرض إلى السماءِ من سكة إسحاق، ثم نزل فسقط في الموضع الذي دُفِن فيه إسحاق. قال: ولم أشعر بموته، فلما غدوتُ، إذا بحفار يحفرُ قبر إسحاق في الموضع الذي رأيتُ القمر وقع فيه.
قال الحاكم: حدثنا يحيى بن محمد العنبري، سمعتُ إبراهيمَ بن أبي طالب، سألتُ أبا قُدامة عن الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عُبيد، فقال: أما أفقهُهم فالشافعي، إلا أنه قليلُ الحديث، وأما أورعُهم فأحمد، وأما أحفظُهم فإسحاق، وأما أعلمهم بلغات العرب، فأبو عُبيد.
قال أبو القاسم البَغَوِيُّ: قال لي موسى بن هارون: قلتُ لإسحاق بن راهويه: مَن أكبرُ أنت أو أحمد؟ قال: هو أكبرُ مني في السن وغيره. وكان مولد إسحاق في سنة ست وستين فيما يرى موسى، قد مرتْ هذه المقالة.
وقال عثمان بن جعفر اللبَّان: حدثنا علي بن إسحاق بن راهويه، قال: وُلد أبي من بطن أمه مثقوبَ الأذنين، فمضى جدي راهويه إلى الفضل بن موسى فسأله، فقال: يكون ابنُك رأسًا إما في الخير، وإما في الشر.
هذه الحكاية رواها الخطيب في «تاريخه» عن الجوهري، أخبرنا محمد بن العباس الخزاز، حدثنا عثمان فذكرها. وهذا إسناد جيد، وحكاية عجيبة.
أخبرنا المُسلَّم بن علاَّن إجازةً، أخبرنا الكِندي، أخبرنا الشيباني، أخبرنا الخطيب، أخبرنا محمد بن الحسين بن الفضل، أخبرنا عليُّ بن إبراهيم المستملي، حدثنا محمد بن إسحاق السَّرَّاج، حدثنا محمد بن رافع، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو يعقوب الخراساني، عن عبد الرزاق، عن النعمان بن أبي شَيْبَة، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: «لَيْسَ في الأوْقاصِ صَدَقَةٌ» .
قال السراج: فسألتُ أبا يعقوب إسحاقَ بن راهويه، فحدثني به.
قلت: الأوقاص: الكسور.
وروى محمد بن يزيد المستملي، عن نُعيم بن حماد، قال: إذا رأيتَ العراقي يتكلم في أحمد، فاتهمْه في دينه، وإذا رأيتَ الخراساني يتكلم في إسحاق، فاتهمه، وإذا رأيت البصري يتكلم في وهب بن جرير، فاتهمه في دينه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)