لقد بيَّن هذا، ورد على المعتزلة والأشاعرة بالأسلوب العلمي، والشيخ لا يعرف الرد على الأشخاص لذواتهم؛ لكنه يرد لبيان الحق، يرد لبيان المنهج الصحيح، ويرد على الطوائف والفرق وإن لَمْ يسمِّ، لكنه يؤصِّل منهج السلف الصالح تأصيلًا صحيحًا وحقيقيًا وكافيًا وشافيًا لا يحتاج -في نظري- مَن قرأه إلى غيره، وحين تقرأ في كتبه كأنك تقرأ لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الذي كان الشيخ محبًا له ومغرمًا بقراءة كتبه، حتى إني أكاد أقول: إنه استظهر كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وكتب ابن القيم رحمه الله.
وللشيخ أيضًا: (حاشية على تفسير الجلالين) ، بيَّن فيها الخطأ في تفسير الجلالين في مسائل في الاعتقاد -لا سيما في الأسماء والصفات- بأسلوبٍ علمي، رحمه الله.
ومما يُذكر عنه في مواقفه أنه في مصر كان هناك كلامٌ كثير حول قضايا الصفات، وقضية الاستواء، وكان كثيرٌ من علماء الأزهر ينحَون منحىً آخر في هذا، خلاف منهج السلف، وكان الشيخ رحمه الله يبين مذهب السلف، وحتى كان بعض الذين يسيرون على منهج السلف، كانوا يواجهون أولئك بخصومات ومشاكل إلى درجة أنها أحيانًا ترتفع أصوات في المسجد، فالشيخ رحمه الله بأسلوبه يعلن عن محاضرة في منهج السلف في الصفات مثلًا أو الاستواء عند أهل السنة، فيأتي لمسألة الاستواء، فلا يقول فيها: قال بعض الناس كذا وأخطئوا في كذا، لا.
بل يذكر المسألة، بدليلها وأقوال السلف فيها بالنقول، ويذكر ذلك حتى يخرج السامع إذا كان أشعريًا أو معتزليًا وقد رجع إلى عقيدة السلف، ولا يتكلم الشيخ فيه بأي شيء، وهذا منهج يحتاجه الدعاة إلى الله والعلماء، وطلاب العلم اليوم أحوج ما يكونون؛ لأننا نعاني من عدم منهجية صحيحة في الردود، وعدم ضوابط مناسبة يتخذها كثيرٌ من الناس، مما قد يضر ذلك، ويوغر الصدور ويفرق الكلمة أكثر مما ينفع.
وقد ظل الشيخ رحمه الله داعيةً مجاهدًا صابرًا محتسبًا باذلًا نفسه إلى الأمة ماشيًا في حوائج الناس وشفاعاتهم والكرم والبذل لهم، وفتح بابه للراغبين والطالبين والمستفتين، وشارك في مواسم الحج في التوعية بالحج سنين عددًا، وكان مخيمه في منى مفتوحًا للمستفتين والمستفيدين من طلاب العلم ومن العلماء ومن عامة الناس ومن سائر ضيوف وحجاج بيت الله الحرام وغيرهم، فكان الشيخ على ذلك إلى أن مرض رحمه الله مرضًا في آخر حياته، وكان الشيخ رحمه الله في مرضه ذلك مثالًا للتجلد والصبر والاحتساب حتى إن الولاة والعلماء والمحبين يشفقون عليه ويقولون: يا شيخ عبد الرزاق! جسمك وصحتك وراحتك أولى لنا، ولكنه مع ذلك من بعد صلاة الفجر يُدَف على العربة حتى يوصل إلى المكتب، فأمامه سيل من المعاملات ويفتي ويحرر ويكتب ويبين للأمة حتى نفع الله به نفعًا عظيمًا.