وإن مما يتذرع به بعض الناس للسفر والرحلات: دعواهم الاصطياف والسياحة، وما أدراكم ما السياحة؟ لفظة براقة، وعبارة أخاذة، لها دلالاتها الشرعية، فكم كان أسلافنا يجوبون الأرض شرقًا وغربًا جهادًا في سبيل الله، ودعوة إلى دين الله بأقوالهم وأفعالهم وسلوكهم وأخلاقهم وحسن تعاملهم، فنعم لاستثمار السياحة في هذا المقصد الشرعي.
إننا جميعًا مع السياحة بمفهومها النقي المنضبط بضوابط الشريعة والآداب المرضية، غير أن مما يبعث على الأسى أن في الأمة منهزمين كثر، عبوا من ثقافة الغير عبًا حتى ثملوا، وزعموا -وبئس ما زعموا- أن السفر والسياحة لا يمكن أن تتحقق إلا بأيامٍ سوداء، وليالٍ حمراء، ومجانبة للحياء.
إن الولوغ في هذه المياه العكرة، والانسياق وراء أمراض الأمم المعاصرة، وأدواء المجتمعات المنحرفة وإفرازاتها المنتنة؛ لا يمكن أن يقبله ذوو النفوس المؤمنة والمجتمعات المحافظة.
نعم لسياحة التأثير لا التأثر، والاعتزاز لا الابتزاز، والفضيلة لا الرذيلة، والثبات لا الانفتاح والانفلات؛ كيف وقد ثبت -بما لا يدع مجالًا للشك- أن أعداء الإسلام يستهدفون أبناء المسلمين السائحين للوقيعة بهم، والنيل من أخلاقهم وعقيدتهم، عن طريق الغزو الفكري والفساد الأخلاقي، ويستغلون كثيرًا من السائحين اقتصاديًا وخلقيًا، ويجرونهم رويدًا رويدًا إلى حيث الخنا والفجور، والمخدرات والخمور.
بل قد يرجع بعضهم متنكرًا لدينه ومجتمعه، وأمته وبلاده!! أين العقول المفكرة عن الإحصاءات المذهلة من مرضى الإيدز، ومن عصابات وشبكات الترويج للمسكرات والمخدرات؟!
إننا نناشد المسافرين والسائحين أن اتقوا الله في أنفسكم وفي أسركم وفي مجتمعاتكم وأمتكم، ونذكركم قبل أن ترفعوا أقدامكم فكروا أين تضعوها؟
نعم.
سافروا للخير والفضيلة والدعوة والإصلاح، فلا غضاضة عليكم، وكونوا ممثلين لبلادكم الإسلامية، مظهرين لدينكم داعين إلى مبادئه السمحة، حيث يتخبط العالم بحثًا عن دينٍ يكفل له الحرية والسلام، ولن يجده إلا في ظل الإسلام.
فكونوا -أيها المسافرون- سفراء لدينكم وبلادكم وأمتكم، مثلوا الإسلام أحسن تمثيل، وحذار أن يفهم العالم عن المسلمين وشبابهم أنهم أرباب شهوات، وصرعى ملذات!
بل أفهموه بسلوككم وعرفوه بأخلاقكم أنكم حملة رسالة، وأرباب أعلى وأغلى هدفٍ وأشرف غاية، وأصحاب شخصية فذة، وشريعة خالدة، ودينٍ يرعى العقيدة والقيم، والمثل والأخلاق والفضائل، ويدير الحياة عن طريق الحق والعدل والسلام، ويبحث عما يكفل للعالم الرقي والتقدم والحضارة.
ألا فاتقوا الله -عباد الله- واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفسٍ ما كسبت وهم لا يظلمون.
اللهم انفعنا وارفعنا بالقرآن العظيم، وبارك لنا في سنة سيد المرسلين، وثبتنا على الصراط المستقيم، وأجرنا من العذاب الأليم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنبٍ فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه كان حليمًا غفورًا.