فلما كان صبيحة يوم الثلاثاء بعده اقلعنا على بركة الله عز وجل وحسن عونه المأمول فكانت مدة المقام بعيذاب حاشى يوم الاثنين المذكور ثلاثة وعشرين يوما محتسبة عند الله عز وجل لشطف العش وسوء الحال واختلال الصحة لعدم الاغذية الموافقة
وحسبك من بلد كل شيء فيه مجلوب حتى الماء والعطش أشهى الى النفس منه فاقمنا بين هواء يذيب الاجسام وماء بشعل المعدة عن اشتهاء الطعام فملا ظلم من غنى عن هذه البلدة بقوله ماء زعاق وجو كله لهب فالحلول بها من أعظم المكاره التي حف بها السبيل الى البيت العتيق زاده الله تشريفا وتكريما وأعظم اجور الحجاج على ما يكابدون ولا سيما في تلك البلدة الملعونة
ومما لهج الناس بذكره قبائحها حتى يزعمون ان سليمان بن داود على نبينا وعليه السلام كان اتخذها سجنا للعافرتة اراح الله الحجاج منها بعمارة السبيل القاصدة الى بيته الحرام وهي السبيل التي من مصر على عقبة أيلة الى المدينة المقدسة وهي مسافة قريبة يكون البحر منها يمينا وجبل الطور المعظم يسارا لكن للافرنج بمقربة منها حصن مندوب يمنع الناس من سلوكه والله ينصر دينه ويعز كلمته بمنه
فتمادى سيرنا في البحر يوم الثلاثاء السادس واشعرين لربيع الاول المذكور ويوم الاربعاء بعده بريح فاترة المهب فلما كان العشاء الاخرة من ليلة الخمس ونحن قد استبشرنا برؤية الطير المحلقة من بن الحجاز لمع برق من جهة البر المذكور وهي جهة الشرق ثم نشأ نوء اظلم له الافق الى ان كسا الافاق كلها وهبت ريح شديدة صرفت المركب عن طريقه راجعا وراءه وتمادى عصوف الرياح واشتدت حلكة الظلمة وعمت الافاق فلم ندر الجهة المقصودة منها الى ان ظهر بعض النجوم فاستدل بها بعض الاستدلال وحط القلع الى أسفل الدقل وهو الصاري
واقمنا ليلتنا تلك في هول يؤذن بالياس وأرانا بحر فرعون بعض أهواله الموصوفة الى ان اتى الله بالفرج مقترنا مع الصباح قيادالريح وأقشع الغيم واصحت السماء ولاح لنا بر الحجار على بعد لا نبصر منه الا بعض جباله وهي شرقا من جدة زعم ربان المركب وهو الرائس ان بين تلك الجبال التي لاحت لنا وبر جدة يومين والله يسهل لنا كل صعب وييسر لنا كل عسير بعزته وكرمه
فجرينا يومنا ذلك وهو يم الخميس المذكور بريح رخاء طيبة ثم ارسيا عشية في جزيرة صغيرة في البحر على مقربة من البر المذكور بعدان لقينا شعابا كثيرة يكسر فيها الماء ويضحك علينا فتخللنا اثناءها على حذر وتحفظ وكان الربان بصيرا بصنعته حاذقا فيها فخلصنا الله منها حتى ارسينا بالجزيرة المذكورة ونزلنا اليها وبتنا بها ليلة الجمعة التاسع والعشرين لربيع