وفي ليلة الأربعاء بعدها من اولها عصفت علينا ريح هال لها البحر وجاء معها مطر ترسله الرياح بقوة كأنه شآبيب سهام فعظم الخطب واشتد الكرب وجاءنا الموج من كل مكان امثال الجبال السائرة فبقينا على تلك الحال الليل كله ولايأس قد بلغ منا مبلغه وارتجينا مع الصباح فرجة تخفف عنا بعض ما نزل بنا
فجاء النهار وهو يوم الاربعاء التاسع عشر من ذي القعدة بما هو اشد هولا واعظم كربا وزاد البحر اهتياجا واربدت الافاق سوادا واستشرت الريح والمطر عصوفا حتى لم يثبت معها شراع فلجيء الى استعمال الشرع الصغار فاخذت الريح أحدها ومزقته وكسرت الخشبة التي ترتبط الشرع فيها وهي المعروفة عندهم بالقرية فحينئذ تمكن اليأس من النفوس وارتفعت أيدي المسلمين بالدعاء الى الله عز وجل وأقمنا على تلك الحال النهار كله فلما جن الليل فترت الحال بعض فتور وسرنا في هذه الحالة كلها بريح الصواري سيرا سريعا
وفي ذلك اليوم حاذينا بر جزيرة صقلية وبتنا تلك الليلة التي هي ليلة الخميس التالية لليوم المذكور مترددين بين الرجاء واليأس فلما اسفر الصبح نشر الله رحمته واقشعت السحاب وطاب الهواء وأصاءت الشمس وأخذ في السكون البحر فاستبشر الناس وعاد الانس وذهب اليأس والحمد لله الذي أرانا عظيم قدرته ثم تلافى بجميل رحمته ولطيف رأفته حمدا يكون كفاء لمنته ونعمته
وفي هذا الصباح المذكور ظهر لنا بر صقلية وقد أجزنا أكثره ولم يبق منه إلا الاقل وأجمع من حضر من رؤساء البحر من الروم وممن شاهد الاسفار والاهوال في البحر من المسلمين انهم لم يعاينوا قط مثل هذا الهول فيما سلف من أعمارهم والخبر عن هذه الحالة يصغر في خبرها وبين البرين المذكورين بر سرانية وبر صقلية نحو الاربعمائة ميل واستصحبنا من بر صقلية أزيد من مائتي ميل ثم ترددنا بحذائه بسبب سكون الريح
فلما كان عصر يوم الجمعة الحادي والعشرين من الشهر المذكور اقلعنا من الموضع الذي كنا ارسينا فيه وفارقنا البر المذكور اول تلك الليلة وأصبحنا يوم السبت وبيننا وبينه مسافة بعيدة وظهر لنا إذ ذاك الجبل الذي كان فيه البركان وهو جبل عظيم مصعد في جو السماء قد كساه الثلج وأعلمنا انه يظهر في البحر مع الصحو على أزيد من مسيرة مائة ميل
فاخذنا ملججين وأقرب ما نؤمله من البر الينا جزيرة اقريطش وهي من جزائر الروم ونظرها الى صاحب القسطنطينية وبينهما وبين جزيرة صقلية مسيرة سبعمائة ميل والله كفيل بالتيسير والتسهيل بمنه وفي طول هذه الجزيرة جزيرة اقريطش المذكور نحو من ثلثمائة ميل