وبالجملة لا يحصلها القول والله لا يخليه من دعوة الاسلام ويبقيه وفي أعلاه مسجد موصوف بالبركة يتبرك الناس بالصلاة فيه طلعنا اليه يوم الخميس الخامس لذي الحجة المؤرخ وصلينا في المسجد المبارك المذكور وشاهدنا من شأن مبناه عجبا لا يستوفيه وصف واصف
ومن مناقب هذا البلد ومفاخره العائدة في الحقيقة الى سلطانة المدارس والمحارس الموضوعة فيه لأهل الطلب والتعبد يفدون من الاقطار النائية فيلقى كل واحد منهم مسكنا يأوى اليه ومدرسا يعلمه الفن الذي يريد تعليمه واجراء يقوم به في جميع احواله
واتسع اعتناء السلطان بهؤلاء الغرباء الطارئين حتى أمر بتعيين حمامات يستحمون فيها متى احتاجوا الى ذلك ونصب لهم مارستانا لعلاج من مرض منهم ووكل بهم اطباء يتفقدون احوالهم وتحت ايديهم خدام يامرونهم بالنظر في مصالحهم التي يشيرون بها من علاج وغذاء
وقد رتب ايضا فيه اقوام برسم الزيارة للمرضى الذين يتنزهون عن الوصول للمارستان المذكور من الغرباء خاصة وينهون الى الاطباء احوالهم ليتكلفوا بمعالجتهم
ومن اشرف هذه المقاصد ايضا ان السلطان عين لابناء السبيل من المغاربة خبزتين لكل انسان في كل يوم بالغا ما بلغوا ونصب لتفريق ذلك كل يوم انسانا امينا من قبله فقد ينتهى في اليوم الى الفي خبزة او ازيد بحسب القلة والكثرة هكذا دائما
ولهذا كله اوقاف من قبله حاشى ما عينه من زكاة العين لذلك وأكد على المتولين لذلك متى نقصهم من الوظائف المرسومة شيء ان يرجعوا الى صلب ماله وأما اهل بلده ففي نهاية من الترفيه وإتساع الاحوال لا يلزمهم وظيف البتة
ولا فائد للسلطان بهذا البلد سوى الاوقاف المحبسة المعينة من قبله بهذه الوجوه وجزية اليهود والنصارى وما يطرأ من زكاة العين خاصة ليس له منها سوى ثلاثة أثمانها والخمسة الاثمان مضافة للوجوه المذكورة
وهذا السلطان الذي سن هذه السنن المحمودة ورسم هذه الرسوم الكريمة على عدمها في المدة البعيدة وهو صلاح الدين ابو المظفر يوسف بن ايوب وصل الله صلاحه وتوفيقه
ومن اعجب ما اتفق للغرباء ان بعض من يريد التقرب بالنصائح الى السلطان ذكر ان أكثر هؤلاء يأخذون جزاية الخبز ولا حاجة لهم بها رغبة في المعيشة لانهم لا يصلون الا بزاد يقلهم فكاد يؤثر سعى هذا المتنصح
فلما كان في أحد الايام خرج السلطان المذكور على سبيل التطلع خارج بلده فلتقى منهم جماعة قد لفظتهم الصحراء المتصلة بطرابلس وهم قد ذهبت رسومهم عطشا