ووضع على عتبة باب البيت لمكرم واخرج مصحف عثمان رضي الله عنه من خزانته ونشر بإزاء المقام المطهر فكانت دفته الواحدة عليه والثانية على الباب الكريم
ثم نودي في الناس بالصلاة جامعة فصلى القاضي بهم خلف موضع المقام المتخذ مصلى ركعتين قرأ في احداهما بسبح اسم ربك الاعلى وفي الثانية بالغاشية ثم صعد المنبر وقد الصق الى موضعه المعهود من جدار الكعبة المقدسة فخطب خطبة بليغة والتي فيها الاستغفار ووعظ الناس وذكرهم وخشعهم وحضهم على التوبة والانابة لله عز وجل حتى نزفت دمعها العيون واستنفدت ماءها الشؤون وعلا الضجيج وارتفع الشهيق والنشيج وحول رداءه وحول الناس ارديتهم ابتاعا للسنة ثم انقض الجمع راجين رحمة الله عز وجل غير قانطين منها والله يتلافى عباده بلطفه وكرمه
وتمادى استسقاؤه بالناس ثلاثة أيام متوالية على الصفة المذكورة وقد نال الجهد من أهل الحجاز واضربهم القحط وأهلك مواشيهم الجدب لم يمطروا في الربيع ولا الحريف ولا الشتاء الا مطرا طلا غير كاف ولا شاف والله عز وجل لطيف بعباده غير مؤاخذهم بجرائمهم انه الحنان المنان لا رب سواه
وفي يوم الخميس الرابع والعشرين من شوال صعدنا الى جبل ثور لمعاينة الغار المبارك الذي اوى اليه النبي صلى الله عليه وسلم مع صاحبه الصديق رضي الله عنه حسبما جاء في محكم التنزيل العزيز وقد تقدم ذكر هذا الغار وصفته اولا في هذا التقييد وولجناه من الموضع الذي بعسر الولوج منه على البعض من الناس تبركا بمس بشرة البدن بموضع مسه الجسم المبارك قدسه الله لان مدخل النبي صلى الله عليه وسلم كان منه
وكان لأحد الصاعدين اليه ذلك اليوم من المصريين موقف خجلة وفضيحة وذلك انه رام الولوج فيه على ذلك الموضع الضيق فلم يقدر بحيلة وعاود ذلك مرمرا فلم يستطع حتى استوقف الناس ما عاينوه من ذلك وبكوا له اشفاقا ولجأوا الى الله عز وجل في الدعاء فلم يغن ذلك شيئا وكان فيهم من هو اضخم منه فيسر الله عليه وطال تعجب الناس منه واعتبارهم وأعلمنا بعد انفصالنا في ذلك اليوم بأن هذا الموقف المخجل لثلاثة أناس في ذلك اليوم بعينه عصمنا الله من مواقف الفضيحة في الدنيا والاخرة
وهذا الجبل صعب المرتقى جدا يقطع الانفاس تقطيعا لا يكاد يبلغ منتهاه الا وقد القى بالايدي اعياء وكلالا وهو من مكة على مقدار ثلاثة أميال وعلى ذلك القدر هو جبل حراء منها والله تعالى لا يخلينا من بكرة هذه المشاهد بمنه وكرمه وطول الغار ثمانية عشر شبرا وسعته احد عشر شبرا في الوسط منه وفي حافيته ثلثا شبر وعلى الوسط منه يكون الدخول وسعة