الصمود الى عرفات عرفنا الله بها القبول والرحمة
وفي يوم الاثنين الخامس او الرابع من هذا الشهر وصل الامير عثمان بن علي صاحب عدن وخرج منها فارا امام سيف الاسلام المتوجه الى اليمن وركب البحر في جلاب كثيرة مشحونة بأحوال عظيمة وأموال لا تحصى كثرة لانه طال مقامه في تلك الولاية واتسع كسبه وعند خروجه من البحر بموضع يعرف بالصر لحقت جلبه حراريق الامير سيف الاسلام فأخذت جميع ما فيها من الاثقال وكان قد استصحب الخف النفيس الخطير مع نفسه الى البر وهو في جملة من رجاله وعبيده فسلم به ووصل مكة بعير موقرة متاعا ومالا دخلت على اعين الناس الى داره التي ابتناها بها بعد أن قدم نفيس ذخائره وناضرة ماله وحملة رقيقه وخدمه ليلا وبالجملة فحاله لاتوصف كثرة وإتساعا
والذي انتهب له اكثر لانه كان في ولايته يوصف بسوء السيرة مع التجار وكانت المنافع التجارية كلها راجعة اليه الدخائر الهندية المجلوبة كلها واصلة الى يديه فاكتسب سحتا عظيما وحصل على كنوزر قارونية لكن حوادث الايام قد ابتدأت بالخسف به ولا يدرى حال امره مع صلاح الدين لما يكون والدنيا مفنية محبيبها وآكلة بينها وثواب الله خير ذخيرة وطاعته اشرف غنيمة لا اله سواه
وبقيت الشهادة مضطربة في أمر هذا الهلال المبارك الميمون الى ان تواصلت الاخبار برؤيته ليلة الخميس الذي يوافق الخامس عشر من مارس شهد بذلك ثقات من أهل الزهد والورع يمنيون وسواهم من الواصلين من المدينة المكرمة لكن بقي القاضي على ثباته وتوقفه في القبول وارجاء الامر الى وصول المبشر المعلم بوصول الامير العراقي ليتعرف من قبله ما عند أمير الحاج في ذلك
فلما كان يوم الاربعاء السابع من الشهر المذكور وصل المبشر وكانت نفوس اهل مكة قد اوجست خيفة لبطئه حذرا من حقدالخليفة على اميرهم مكثر لمذموم فعل صدر عنه فكان وصول هذا البشير امانا وتسكينا للنفوس الشاردة فوصل مبشرا ومؤنسا وأعلم برؤية الهلال ليلة الخيمس المذكور وتواترت الانباء بذلك
فصح الامر عند القاضي بذلك صحة اوجبت خطبته في ذلك اليوم على ما جرت به العادة في اليوم السابع من ذي الحجة اثر صلاة الظهر علم الناس فيها مناسكهم ثم اعلمهم ان عدهم هو يوم الصعود الى منى وهو يوم التروية ان وقفتهم يوم الجمعة وان الاثر الكريم فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بانها تعدل سبعين وقفة ففضل هذه الوقفة في الاعوام كفضل يوم الجمعة على سائر الايام
فلما كان يوم الخميس بكر الناس بالصعود الى منى وتمادوا منها الى عرفات وكانت