الحاج يرسلنها مع ثقات يسقون ابناء السبيل في المواضع المعروف فيها الماء في الطريق كله وبعرفات وبالمسجد الحرام في كل يوم وليلة فلهن في ذلك اجر عظيم وما التوفيق الا بالله جل جلاله
فتسمع لمنادي على النواضح يرفع صوته بالماء اللسبيل فيهطع اليه المرملون من الزاد والماء بقربهم وأباريقهم فيملؤونها ويقول المنادي في اشادته بصوته ابقى الله الملكة خاتون ابنة الملك الذي من امره كذا ومن شأنه كذا ويحليه بحلاه اعلانا باسمها وإظهارا لفعلها واستجلابا للدعاء لها من الناس والله لايضيع اجر من احسن عملا وقد تقدم تفسير هذه اللفظة خاتون وانها عندهم بمنزلة السيدة او ما يليق بهذا اللفظ الملوكي النسائي
ومن عجيب هذه المحلة ايضا على عظمها وكبرها وكونها وجود دنيا بأسرها انها إذا حطت رحالها ونزلت منزلها ثم ضرب الامير طبله للانذار بالرحيل ويسمونه الكوس لم يكن بين استقلال الرواحل بأوقارها ورحالها وركباها الا كلا ولا فلا يكاد يفرغ الناقر من الضربة الثالثة الا والركائب قد اخذت سبيلها كل ذلك من قوة الاستعداد وشدة الاستظهار على الاسفار والحول والقوة لله وحده لا اله سواه
واسراؤها بالليل بمشاعيل موقدة يمسكها الرجالة بايديهم فلا تبصر قشاوة من القشاوات الا وأمامها مشعل فالناس يسيرون منها بين كوكب سيارة توضح غسق الظلماء وتباهي بها الارض انجم المساء والمرافق الصناعية وغيرها من المصالح الدينية والمنافع الحيوانية كلها موجودة بهذه المحلة غير معدومة ووصفها يطول والاخبار عنها لاتنحصر
فلما كان ظهر يوم الاثنين اثر الصلاة اقلعنا من خليص مرتحلين وتمادى سيرنا الى العشاء الاخرة ثم نزلنا ونمنا نومة خفيفة ثم ضرب الكوس فأقلعنا وأسرينا الى ضحى من النهار ثم نزلنا مريحين الى اول الظهر من يوم الثلاثاء
ثم اقلعنا من منزلنا ذلك الى واد يعرف بوادي السمك اسم يكاد يكون وقاعا على غير مسمى فنزلناه مع العشاء الاخرة واصبحنا به مقيمين يوم الاربعاء لتجديد حمل الماء وهو بهذا الوادي في مستنقعات وربما حفر عليه في الرمل
فأقلعنا منه اول ظهر يوم الاربعاء المذكور ثم اجزنا مع الليل عقبة محجرة كؤودا ذهب فيها من الجمال كثير ونزلنا في بسيط من الارض ونمنا الى نصف الليل ثم رحلنا في مهمة افيح بسيط ممتد مد البصر ورملة منثالة فمشت الجمال فيهادون مقطرة لانفساح طريقها ثم نزلنا مريحين قائلين يوم الخميس التاسع والعشرين من ذي الحجة وبيننا وبين بدر مقدار مرحلتين
فلما كان اول الظهر رحلنا الى مقربة من بدر فنلزنا بائتين ثم قمنا قبل نصف الليل فوصلنا بدرا وقدارتفع النهار وهي قرية