ثم أقلعنا ظهر يوم السبت الرابع والعشرين لذي الحجة المذكور ونزلنا بمقربة من عسفان ثم اسرينا اليها نصف الليل وصبحناها بكرة يوم الاحد وهي في بسيط من الارض بين جبال وبها آبار معينة تنسب لعثمان رضى الله عنه وشجر المقل فيها كثير وبها حصن عتيق البنيان ذو أبراج مشيدة غير معمور قد اثر فيه القدم وأوهته قلة العمارة لوزوم الخراب فاجتزناها بأميال ونزلنا مريحين قائلين
فلما كان اثر صلاة الظهر اقلعنا الى خليص فوصلناها عشى النهار وهي ايضا في سبيط من الارض كثيرة حدائق النخل لها جبل فيه حصن مشيد في قنته وفي البسيط حصن آخر قد أثر فيه الخراب وبها عين فوارة قد احدثت لها أخاديد في الارض مسربة يستقى منها على أفواه كالابار يجدد الناس بها الماء لقلته في الطريق بسبب القحط لمتصل والله يغيث بلاده وعباده واصبح الناس بها مقيمين يوم الاثنين لارواء الابل واستصحاب الماء
وهذه الجملة العراقية ومن انضاف اليها من الخراسانية والمواصلة وسائر جهات الافاق من الواصلين صحبة امير الحاج المذكور جمع لا يحصى عدده الا الله تعالى يغص بهم البسيط الافيح ويضيق عنهم المهمه الصحصح فترى الارض تميد بهم ميدا وتموج بجميعهم موجا فتبصر منهم بحرا طامي العباب نماؤه السراب وسفنه الركاب وشرعه الظلائل المرفوعة والقباب تسير سير السحب المتراكمة يتداخل بعضها على بعض ويضرب بعضها جوانب بعض فتعاين لها تزاحما في البراح المنفسح يهول ويروع واصكاكا نبع المحارات فيه بعضه ببعض مقروع فمن لم يشاهد في هذا السفر العراقي لم يشاهد من اعاجيب الزمان ما يحدث به ويتحف السامع بغرابته والقدرة والقوة لله وحده
وحسبك ان النازل في منزل من منازل هذه المحلة متى خرج عنها لبعض حاجة ولم تكن له دلالة يستدل بها على موضعه ضل وتلف وعاد منشودا في جملة الضوال وربما اضطر به الحال الى الوصول الى مضرب الامير ورفع مسألته اليه فيأمر احد المنشدين ببريحه والهاتفين بأوامره ممن قد اعد لذلك ان يردفه خلفه على جمل ويطوف به المحلة العجاجة وهو قد ذكر له اسمه واسم جماله واسم البلد الذي هو منه فيرفع عقيرته بذلك معرفا بهذا الضال ومناديا باسم الجمال وبلده الى ان يقع عليه فيؤديه اليه ولو لم يفعل ذلك لكان آخر عهده بصاحبه الا ان يلتقطه التقاطا او يقع عليه اتفاقا فهذا من بعض عجائب شئون هذه المحلة وعجائبها اكثر من ان يحيط بها الوصف ولاهلها من قوة الجدة واليسار ما يعينهم على ما هم بسبيله والملك بيد الله يؤتيه من يشاء
ولهؤلاء النسوة الخواتين في كل عام إذا لم يحججن بأنفسهن نواضح مسبلة مع