ولمّا سلّموا أنّ الإيمان ذو شعب يزول بعضه، ويبقى بعضه عرفوا أنّ ذلك يلزم منه أنّه شيء قابل للزيادة والنقصان تبعًا لزيادة الأجزاء المكوّنة له عند كلّ إنسان بحسبه، أو نقصها لديه.
فمن صلّى وزكّى وصام وحجّ ليس كمن فعل ذلك وزاد الجهاد والبر والصلة..
ولمّا قال عمير بن حبيبٍ رضي الله عنه: «الإيمان يزيد وينقص» ، قيل: وما زيادته ونقصانه؟ قال: «إذا ذكرْنا الله فحمدناه وسبّحناه فتلك زيادته، وإذا غفلْنا ونسينا فذلك نقصانه» .
وهذا معنى مثل قوله تعالى: (ويزْداد الّذين آمنوا إيمانًا) . [المدّثر:31] وقوله: (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) . [آل عمران:173] .
ثمّ إنّهم عرفوا أنّه ما دام الإيمان ذا شعب عديدة مديدة أنّه لا يمكن أن يحصّل الإنسان فيه منزلة الرّضا عند الله؛ لأنّه ما من إيمان إلاّ وفوقه إيمان، ولأنّ المؤمن دائمًا يخشى على نفسه من النقص، فإنّه لا يزكي نفسه بوصف الإيمان، وإذا اضطر لذلك فإنّه يستثني فيقول: مؤمن إن شاء الله، وهذا منسجم مع تصوّرهم للإيمان كما قلت، فهم تصوّروه ذا شعب عديدة، فلم يتصوّروا الوصول للكمال فيه فاستثنوا، وهكذا وصفهم الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) . [المؤمنون:60] وقد قالت عائشة: يا رسول الله، أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخاف؟ فقال: «لا يا بنت الصديق، بل هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق، ويخاف أن لا يتقبل منه» .
ثمّ إنّهم قالو: إنّ شعب الإيمان وإن كانت متعددة ومتباينة، إلاّ أنّها مترابطة، يتضمن بعضها بعضًا ويستلزم بعضها بعضًا، وينتج بعضها عن بعض؛ فالشعب الظّاهرة تنتج عن الشعب الباطنة، توجد بوجودها، وتقوى بقوّتها، وتضعف بضعفها، وتزول بزوالها.