فإنّ القلب إذا عمره الإيمان والمحبة والخوف والرجاء ظهر أثر ذلك جليًّا على البدن بالعمل الصالح وهجر السيئات، وإذا ظهر على العبد ترك الفرائض والوقوع في المحرمات دلّ على ضعف ما في القلب من الإيمان، وإذا زال الظّاهر دلّ على زوال الباطن، وهذا أمر لا يختصّ بالإيمان بل بكلّ الصفات البشريّة..
فإنّ الشّخص لا يمكن أن يقبل دعوى المحبة من شخص يكيد له ويمكر به..
كما لا يمكن أن يصدّق شخص دعوى شخص بالكراهية، على الرغم مما يحوطه من عطف ورعاية..
فالظواهر دلائل السرائر.. وهكذا قال الله تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ) . وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) . فجعل الاتباع والجهاد دليلًا وعلامة على المحبّة، وهي من مكنونات القلوب، لابدّ لها إن وجدت من فروع تظهر على البدن.
ومن جهة أخرى قال عن المنافقين: (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُون) . [المائدة:81] فنفى عنهم الإيمان بالله والنّبيّ لوجود ما يتناقض مع هذه الدعوى، وهو تولي الكافرين.
والآن، لاشكّ عندي أنّ كل الجمل الّتي قلتها سابقًا لم تلق لدى العاقل أيّ نوع من التضارب الفكري أو العقلي.. فالحقيقة الشرعية والحقيقة العقلية والروحية منسجمة غاية الانسجام في مذهب السّلف في الإيمان.