أمّا الّذين تنكّبوا الصراط، فاضطربت كلماتهم، وتفرقت أهواؤهم، فشرّق بعضهم وغرّب بعضهم، ومن أعجب العجب أنّهم على رغم تباين وتناقض مذاهبهم، إلاّ أنّهم يتفقون على التصوّر الفاسد الّذي مزّقهم كلّ ممزّق.
فإنّهم تصوّروا الإيمان ماهيةً واحدة، وشيئًا واحدًا، لا يمكن تفرّق أجزائه، بل إمّا أن يوجد كاملًا أو يذهب كاملًا، وبناء عليه قالت المرجئة: بما أنّ الرسول -صلى الله عليه وسلّم- لم يكفّر أصحاب الكبائر، فهذا يعني أنّ الأعمال ليست داخلة في حقيقة الإيمان؛ لأنّها لو كانت كذلك لذهب الإيمان بذهابها، ولكفّر النبيّ -صلى الله عليه وسلّم- شارب الخمر والزاني، ولم يقم عليهم الحد، ثم يصلي عليهم.
أمّا الخوارج فوافقت المرجئة على التصوّر الفاسد، وخالفتهم في التطبيق، والتزمت أنّ فاعل الكبيرة كافر مرتد خالد في نار جهنّم، واتفق معهم المعتزلة في حكمه في الآخرة، لكنّهم في الدّنيا لم يقولوا بكفره، ولا إيمانه، بل قالوا هو في منزلة بين المنزلتين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «أصل نزاع هذه الفرق في الإيمان من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم أنّهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا، إذا زال بعضه زال جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه.
ثمّ قالت الخوارج والمعتزلة: الطّاعات كلّها من الإيمان فإذا ذهب بعضها ذهب بعض الإيمان فذهب سائره، فحكموا بأنّ صاحب الكبيرة ليس معه شيءٌ من الإيمان.
وقالت المرجئة والجهميّة: ليس الإيمان إلاّ شيئًا واحدًا لا يتبعّض، إمّا مجرّد تصديق القلب كقول الجهميّة، أو تصديق القلب واللّسان كقول المرجئة، قالوا: لأنّا إذا أدخلْنا فيه الأعمال صارت جزءًا منه، فإذا ذهبتْ ذهب بعضه، فيلزم إخراج ذي الكبيرة من الإيمان، وهو قول المعتزلة والخوارج».