فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 1000

ولمّا التزموا هذه المقدّمة الباطلة فرّعوا عليها أقوالهم الباطلة في الإيمان: فقالت المرجئة: الإيمان قول بلا عمل، ومرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، وأنّه لا يزيد ولا ينقص، والناس متساوون في إيمانهم أفجر الخلق وأتقى الخلق متساويان في الإيمان إذا أقرّا واعتقدا، وحرّموا الاستثناء في الإيمان؛ لأنّه عندهم مجرد التصديق، ومن استثنى فقد شكّ ومن شكّ فقد كفر.

وبضدّ أقوالهم هذه قالت الخوارج والمعتزلة وكفّرت المسلمين واستحلّت دماءهم وأموالهم.

وداخل كلّ من المذهبين فروع متضاربة ومتناقضة، ثمّ تجد الفقهاء منهم يقعون في أغلاط فقهية بسبب التزامهم هذه الفروع التي تقوم أصلًا على ذلك التصوّر فاسد، ومن ذلك مسألة انفصام الظاهر عن الباطن، حتّى تصوّر بعضهم أنّ الرّجل يُستتاب من ترك الصلاة أو سبّ الشيخين أو غير ذلك، ثمّ يصرّ على قوله، ويقتل ثم بعد ذلك يمكن أن يكون مؤمنًا بباطنه فيُغسل ويُصلّى عليه، وتصوّر بعضهم أنّ سابّ النّبيّ -صلى الله عليه وسلّم- قد يكون مؤمنًا بباطنه، وأنّ من كفر بلسانه وامتنع من النطق بشهادته أنّه يحكم بكفره في أحكام الشرع، لكنّه قد يكون مؤمنًا بباطنه، و مرة أخرى أقول: صدق الله: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) .

بقيت مسألة المسائل:

إنّ الإيمان كما تقرّره النّصوص الشّرعيّة ليس كائنًا جامدًا يملكه العبد، فيظلّ كما هو لا يتغيّر حتّى يفقده، كلاّ، بل الإيمان ـ كما قلنا سابقًا ـ يشتمل على العلم والمعرفة والتّصديق، وعلى عمل القلْب والجوارح، وهذا يعني أنّ الإيمان صفةٌ متحرّكةٌ، لا تثبت البتّة، لسببٍ مهمٍّ للغاية، ألا وهو: أنّ الإنسان لا يعيش وحده، بل الإنسان يعيش في عالمٍ متغيّرٍ، تتوارد عليه الأحوال المتتابعة الّتي تجرّه إلى التّفاعل معها رغمًا عنه ما دام حيًّا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت