فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 1000

ومن هنا نعرف أنّ العبد لا يمكن أن يظلّ في حالةٍ واحدةٍ ثابتةٍ لا يتغيّر حاله مهما قيل من إيمانه بل وكفره، وهذه حقيقةٌ أكّدها القرآن، أعني أنّ الكافر نفسه لا يبقى في حالةٍ واحدةٍ من الكفر، بل قد يزيد أو يقل، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا) . [النساء:137] ، وقال: (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ) . [التوبة:125] ، وهذا يعني أنّ السّلف حين تكلّموا في باب الإيمان تكلّموا من خلال النصّ الشّرعي، الّذي يتناول الحقيقة في باب الإيمان من جانبٍ يعلم تمامًا حقيقة خلق الإنسان في بدنه وروحه وطبيعته البشريّة: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) . [الملك:14] ولهذا جاء مذْهب السّلف منضبطًا، مثاليًا، واقعيًّا في نفس الوقت، أمّا المرجئة فجاء طرحهم تجريديًا بعيدًا عن الواقعيّة، مغرقًا في الخياليّة والتصوّر.

فإذا كان الذّهن يتخيّل ويتصوّر أمورًا تجريديّة، منزوعةً من لوازمها السّابقة و الّلاحقة، فإنّ الواقع لا يقبل هذا البتّة؛ فالمرجئة عندما عرّفت الإيمان بأنّه التّصديق، تعاملت معه كتعريفٍ ذهنيٍّ تصوّري، ثمّ بدأت تعتقد أمورًا تصوّريةً صرفة، كقولها مثلًا بعدم زيادة الإيمان والتّصديق، وقولها بعدم جواز الاستثناء، وقولها بأنّه شيءٌ واحدٌ لا يتغيّر، وأنّ إيمان الخلق كلّهم واحدٌ؛ النّبيّ والفاجر فيه سواءٌ، ما دام مصدّقًا أو عارفًا، وكلّ هذه الأقوال كما ترى قد يتصوّرها الذّهن ويجيزها، لكنّها في الحقيقة الخارجيّة عدمٌ محضٌ لا وجود له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت