والناس في حب الله يتفاوتون، ما بين أفضل الخلق محمد وإبراهيم، إلى أدني الناس درجة، مثل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وما بين هذين الحدين من الدرجات لا يحصيه إلا رب الأرض والسموات، فإنه ليس في أجناس المخلوقات ما يتفاضل بعضه على بعض كبني آدم، فإن الفرس الواحدة ما تبلغ أن تساوي ألف ألف. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي ذر أنه كان جالسًا عند النبي ، إذ مر به رجل من أشراف الناس، فقال: «يا أبا ذر، أتعرف هذا؟» . قلت: نعم، يا رسول الله، هذا حَرِيٌّ إن خطب أن ينكح، وإن قال أن يُسْمَع لقوله، وإن غاب أن يسأل عنه. ثم مر برجل من ضعفاء المسلمين، فقال: «يا أبا ذر، أتعرف هذا؟» . قلت: نعم يا رسول الله هذا رجل من ضعفاء الناس، هذا حري إن خطب ألا يُنْكَح، وإن قال ألا يُسْمَع لقوله، وإن غاب ألا يسأل عنه، فقال: «يا أبا ذر، لَهَذَا خير من ملء الأرض مثل هذا» .
فقد أخبر الصادق الذي لا يجاوز فيما يقول: أن الواحد من بني آدم يكون خيرًا من ملء الأرض من الآدميين، وإذا كان الواحد منهم أفضل من الملائكة، والواحد منهم شر من البهائم، كان التفاضل الذي فيهم أعظم من تفاضل الملائكة، وأصل تفاضلهم إنما هو بمعرفة الله ومحبته، فعلم أن تفاضلهم في هذا لا يضبطه إلا الله، وكل ما يعلم من تفاضلهم في حب الشيء من محبوباتهم، فتفاضلهم في حب الله أعظم.
وهكذا تفاضلهم في خوف ما يخافونه، وتفاضلهم في الذل والخضوع لما يذلون له ويخضعون، وكذلك تفاضلهم فيما يعرفونه من المعروفات، ويصدقون به ويقرون به، فإن كانوا يتفاضلون في معرفة الملائكة وصفاتهم، والتصديق بهم، فتفاضلهم في معرفة الله وصفاته والتصديق به أعظم.