فهرس الكتاب

الصفحة 627 من 1000

قلت: فالمرجئة، والجهمية، يحرمون الاستثناء، في الحال، والمآل، وهؤلاء: يبيحونه في المآل، ويمنعونه في الحال .

قال شيخ الإسلام، رحمه الله: والمأخذ الثاني في الاستثناء: أن الإيمان المطلق، يتضمن فعل ما أمر الله به كله، وترك المحرمات كلها، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الإعتبار، فقد شهد لنفسه: أنه من الأبرار المتقين، القائمين بفعل جميع ما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله ؛ وهذا من تزكية الإنسان لنفسه، وشهادته لها بما لا يعلم، ولو كانت هذه الشهادة صحيحة، لكان ينبغي أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال، وهذا: مأخذ عامة

(ص553) السلف، الذين كانوا يستثنون، وإن جوزوا ترك الاستثناء بمعنى آخر .

وروى الخلال، عن أبي طالب قال: سمعت أبا عبد الله، يقول: لا نجد بدًا من الاستثناء، لأنهم إذا قالوا مؤمن، فقد جاءوا بالقول، فإنما الاستثناء بالعمل، لا بالقول ؛ وعن إسحاق بن إبراهيم، قال سمعت أبا عبد الله، يقول: أذهب إلى حديث ابن مسعود، في الاستثناء في الإيمان ؛ لأن الإيمان قول وعمل، والعمل الفعل، فقد جئنا بالقول، ونخشى أن نكون فرطنا في العمل، فيعجبني أن يستثني في الإيمان، فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله ؛ ومثل هذا: كثير، من كلام أحمد، وأمثاله .

وهذا مطابق لما تقدم، من أن المؤمن المطلق، هو: القائم بالواجبات، المستحق للجنة، إذا مات على ذلك ؛ وأن المفرط بترك المأمور، أو فعل المحظور، لا يطلق عليه أنه مؤمن ؛ وأن المؤمن المطلق، هو البر التقي، ولي الله ؛ فإذا قال: أنا مؤمن قطعًا، كان كقوله: أنا بر، تقي، ولي لله قطعًا.

وقد كان أحمد، وغيره من السلف، مع هذا، يكرهون، سؤال الرجل غيره: أمؤمن أنت ؟ ويكرهون الجواب ؛ لأن هذا بدعة، أحدثها المرجئة، ليحتجوا بها لقولهم ؛ فإن الرجل يعلم من نفسه: أنه ليس بكافر، بل يجد قلبه مصدقًا لما جاء به الرسول ؛ فيقول: أنا مؤمن ؛ فلما علم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت