وأما مراد عمر، فقد قال بعض الناس: إن المراد، إذا قال أنا مؤمن، أمنًا من مكر الله، وتأليًا على الله، وقال بعضهم: أي من قال: أنا مؤمن بالطاغوت، فهو كافر بالله، وكذلك من قال: هو في الجنة قطعًا، تكذيبًا بحديث"الأعمال بالخواتيم"وقيل غير ذلك، من الأقوال البعيدة، الضعيفة .
وأما أنا فأقول: الله أعلم بمراد الخليفة الراشد، ولا أعلم في ذلك شيئًا، تطمئن إليه النفوس، ولا يستحي من سئل عما لا يعلم، أن يقول: لا أعلم، فالله أعلم .
(ص557) المسألة الرابعة: قوله، هل يجوز للإنسان أن يحدث نفسه، بقول: أنا منافق ؟ أنا أخشى الكفر ؟ وهل هذا شك في الدين ؟ أم لا ؟
الجواب: قال البخاري، في صحيحه، قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إن إيمانه، كإيمان جبرائيل، وميكائيل ؛ وقال ابن القيم: تالله لقد قطع خوف النفاق، قلوب السابقين الأولين، لعلمهم بدقة، وجله، وتفاصيله، وجمله ؛ ساءت ظنونهم بنفوسهم، حتى خشوا: أن يكونوا من جملة المنافقين .
قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يا حذيفة: ناشدتك الله، هل سماني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القوم ؟ فيقول: لا، ولا أزكي بعدك أحدًا، يعني: لا أفتح هذا الباب، في تزكية الناس، ليس معناه: أنه لم يبريء من النفاق غيره، وكيف يكون ما هو من صفات السابقين الأولين، شكا في الدين ؟ وعن الحسن البصري - في النفاق - ما أمنه إلا منافق، ولا خافه إلا مؤمن .
وقال ابن القيم، رحمه الله: وبحسب إيمان العبد، ومعرفته، يشتد خوفه أن يكون منهم ؛ ولهذا: اشتد خوف
(ص558) سادة الأمة ، وسابقيها على أنفسهم، أن يكونوا منهم، انتهى .