قلت: فهذه النصوص الشرعية التي يتعلق بعمومها المخالفون لعقيدة السلف لم تَََخْفَ على الأئمة بفضل الله وقد أجابوا عنها , فالعجبُ من بعض المعاصرين حين احتجوا بها على صحة الإيمان من غير عمل , وقد أجاب عنها العلماء - قديمًا -وبينوا مآخذها وأنه لا حجة فيها لمن خالف قول السلف . والعجب من بعضهم حيث يذكر الفهم الذي ذكره ابن خزيمة ثم يأتي بفهم المرجئة للحديث ويجعل ذلك قولين متقابلين لأهل العلم - زعم - فهل يستوي تخريج وفهم أئمة السنة مع آراء المبتدعة ؟
ومن الشبه كذلك التي يثيرها هؤلاء المعاصرون في تأييد قولهم: الخلافُ القديمُ بين العلماء في حكم تارك الصلاة تهاونًا وكسلا .
فيقول هؤلاء إنه على قول من يقول إن تارك الصلاة لا يكفر؛ تكون الأعمال كلها شرط كمال , وأن الإيمان يصح بدون عمل .
ولكن قد خفي على هؤلاء أن أئمة السنة وإن اختلفوا في حكم تارك الصلاة فهم لم يختلفوا في حكم تارك العمل , بل أجمعوا على أن الإيمان لا يصح من غير عمل كما تقدم نقله عنهم , فثمة فرق ظاهر بين المسألتين , فالحكم في تارك الصلاة مسألة من مسائل الفقه اختلف فيها العلماء , وليس الخلاف فيها بين أهل السنة وبين المرجئة , ولقد غَلِطَ - أو غالط - مَن جعل الخلاف فيها كذلك , أما ترك العمل وفرائض الدين بالكلية ؛ فليس فيها خلاف إلا من جهة المرجئة , كما قال الإمام إسحاق بن راهويه - رحمه الله -:
غلت المرجئة حتى صار من قولهم , أن قوما يقولون: من ترك الصلواتِ المكتوباتِ , وصومَ رمضان , والزكاةَ , والحجَ , وعامةَ الفرائض من غير جحود لها: إنَّا لا نكفرُهُ ، يُرجأُ أمرُهُ إلى الله بَعْدُ ؛ إذ هو مقرٌّ ، فهؤلاء الذين لا شك فيهم .
يعني في أنهم مرجئة . ( فتح الباري لابن رجب الحنبلي 1/21 دار ابن الجوزي )