فهرس الكتاب
إذا أهل السنة يقصد به معينان: الأول: متابعة السنن والآثار الواردة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته - رضي الله عنهم - والعناية بها وتمييز صحيحها من سقيمها والتزام موجبها من الأقوال والأعمال في مجال العقيدة والأحكام، الثاني: أخص من المعنى الأول، وهو الذي عناه بعض المصنفين، حيث سموا كتبهم باسم السنة كابن أبي عاصم وأحمد بن حنبل وابنه والخلال وغيرهم، ويعنون بذلك الاعتقاد الصحيح الثابت بالنص والإجماع، وفي كلا المعنيين يتبين لنا أن مذهب أهل السنة امتداد لما كان عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام رضوان الله عليهم، أما التسمية بأهل السنة فنشأت بعد الفتنة عند بداية ظهور الفرق، قال ابن سيرين - رحمه الله: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم) (1)
(1) رواه مسلم في مقدمة صحيحة ص 15.
وسئل الإمام مالك - رحمه الله - (من أهل السنة؟ قال: أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به لاجهمي ولا قدري ولا رافضي) (1) ثم لما صارت للجهمية شوكة ودولة امتحنوا الناس ودعوهم إلى التجهم بالترغيب والترهيب فآذوا الناس وعذبوهم، بل وقتلوا بعض من لم يقل بقولهم، فسخر الله لأهل السنة الإمام أحمد - رحمه الله - حيث صبر على امتحانهم وابتلائهم، وناظرهم، وفند حججهم، وأعلن السنة وأظهرها ووقف في وجه أهل البدع والكلام، فصار بسبب ذلك يقلب بإمام أهل السنة والجماعة، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: (.. وأحمد بن حنبل، وإن كان قد اشتهر بإمام السنة والصبر في المحنة، فليس ذلك لأنه انفرد بقول أو ابتدع قولًا، بل لأن السنة التي كانت موجودة معروفة قبله علمها ودعا إليها، وصبر على من امتحنه ليفارقها، وكانت الأئمة قبله قد ماتوا قبل المحنة..) (2)