فهرس الكتاب
ولشيخ الإسلام في هذا المجال أقوال كثيرة نشير إلى شيء منها، يقول - رحمه الله - مبينًا اختلاف حكم الهجر باختلاف حال الهاجرين: (... وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم، فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعا وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته، لم يشرع الهجر بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألف قومًا ويهجر آخرين.. وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل، ولهذا كان يفرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع، كما كثر القدر في البصرة، والتنجيم بخراسان، والتشيع بالكوفة، وبين ما ليس كذلك، ويفرق بين الأئمة المطاعين وغيرهم، وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه) (1) ويقول - رحمه الله - في بيان الفرق بين الداعية إلى البدعة وغير الداعية: (.. فأما من كان مستترًا بمعصية أو مسرا لبدعة غير مكفرة، فإن هذا لا يهجر، وإنما يهجر الداعي إلى البدعة، إذ الهجر نوع من العقوبة، وإنما يعاقب من أظهر المعصية قولًا أو عملًا، وأما من أظهر لنا خيرًا فإنا نقبل علانيته ونكل سريرته إلى الله تعالى، فإن غايته أن يكون بمنزلة المنافقين الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم - يقبل علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله، لما جاءوا إليه عام تبوك يحلفون ويعتذرون، ولهذا كان الإمام أحمد وأكثر من قبله وبعده من الأئمة كمالك وغيره لا يقبلون راوية الداعي إلى بدعة، ولا يجالسونه، بخلاف الساكت....) (2) ، ويقول - رحمه الله-.. (..
(1) مجموع الفتاوى 28 /207,206 وانظر 212 من الكتاب نفسه
(2) مجموع الفتاوى 24 / 175، وانظر 35 / 411