إذا كان نظر علماء النحو إلى ترتيب عناصر الجملة هو على النحو الذي سبق بيانه، فإن نظر الأديب البليغ لا يكتفي بالتقيُّد بما يجوز في التراكيب العربيّة، فيستخدمُها كيفما اتفق، بَلْ يَنْظُر إلى دَلالاتها، وإلى المعاني التي تُؤدّيها مُخْتَلِفَاتُ التراتيب، والتركيبات، فيستَخْدِمُ منها ما يدُلُّ على ما يُريدُ التعبير عنه في كلامِهِ بأخْصَرِ عبارة، ويُحاوِل دومًا أن يطابِقَ بين اختياره منها وما يُريدُ التعبير عنه.
(7) دوائر عطاء الجملة الكلامية
الدائرة الصغرى:
أصغر دائرة عطاءٍ بيانيّ تقدّمه الجملة الكلامية يظهر بنسبة شيءٍ إلى شيءٍ.
* كنسبة الوجود إلى الأرض، فنقول: الأرض موجود، أي: لها صفة الوجود، ففي هذه الجملة نَسَبْنَا الوجود إلى الأرض.
* وكنسبة العدم إلى شريك الباري، فنقول: شريك الباري معدوم، ففي هذه الجملة نسبنا العدَمَ إلى شريك الباري.
* وكنسبة الطلوع أو الأفول إلى القمر، فنقول: طَلَع القمر - أفل القمر.
* وكنسبة الموت إلى إنسان كان حيًّا فمات، فنقول: مات فيصل.
من هذه الأمثلة نُلاحظ أنّ ركنًا من رُكْنَي كُلِّ جملةٍ فيها يتضمَّن معنىً هو شيءٌ منسوبٌ، وأنّ الركْنَ الآخر من ركنيها يتضمن معنىً هو شيءٌ منسوبٌ إليه معنى الركن الأول، وأن الألفاظ دوالٌّ على المعاني.
فبالتحليل يظهر لنا ثلاثة عناصر:
الْعُنْصُر الأول: مَنْسُوبُ.
العنصُر الثاني: منسوبٌ إليه.
العنصُر الثالث: نسبةٌ بينهما ذهنية، وقد يُدَلُّ عليها بلفظ، أو بحركة، وهذه النسبة هي الرابطة بين رُكني الجملة الكلامية.
والنسبة في الجملة قد تكون بالإِثبات كالأمثلة السابقة، وقد تكون بالنفي، وذلك حين تدخل على الجملة أداةٌ من أدوات النفي، فنقول مثلًا: ما طلع القمر، وما مات إبليس، وصوت الحمار ليس جميلًا، ولاَ يَمْشِي الجماد.