دلّت هذه الجملة على نِسْبة الضّرب إلى زيدٍ ووصفه به من جِهَةِ كونِه مؤثِّرًا بالضّرْب (أي: ضاربًا) ونِسْبَة الضرب نفسه إلى عَمْروٍ ووصفه به من جهة كونه مُتَأَثِّرًا بالضرب (أي: مَضْروبًا) .
فبالتحليل الفكريّ يظهر لنا أنّ الضَّرْبَ ذو نسبتين:
(1) نسبته إلى فاعله المؤثِّر به فهو ضارب."لذلك سمّوه فاعلًا".
(2) نسبته إلى الواقع عليه المتأثِّر به فهو مضروب"لذلك سمَّوْهُ مفعولًا به".
ومثل:"خلق الله عزّ وجلّ الكونَ"فالخلق ذو نسبتين:
(1) أمّا فاعله والمؤثِّرُ به فهو الله عزّ وجَلَّ."وهو الخالق".
(2) وأمّا الواقِعُ عليه والمتأثِّرُ به فهو الكون."وهو المخلوق".
هذا تحليل قول علماء العربيّة: الفعل قد يتعدّى إلى المفعول به,. وأضيف أنّه لا فرق من جهة المعنى بمقتضى هذا التحليل أن يكون تَعَدِّي الفعل بدون وساطة، أو بوساطة حرف جرٍّ، مثل: عَلِمَ فلانٌ المسألة، وعَلِمَ بها.
الدائرة الثالثة:
وهي الجملة التي تشتمل على دائرة عطاءٍ بيانيّ يظهر بنسبة شيءٍ إلى ثلاثة أشياء.
الأوّل: هو الذي اتّصف بالشيء من جهة كونه مؤثرًا به (أي: فاعلًا) .
الثاني والثالث: هما اللّذان اتّصَفَا بالشيءٍ من جهة كون كلٍّ منهما متأثِّرًا به"أي: مفعولًا به"مع اختلاف صفة التأثّر.
مثل:"كَسَى الأبُ ولَدَهُ ثَوْبًا"فالكَسْوُ ذو ثلاثِ نِسَب:
(1) نسبتُه إلى فاعله المؤثِّر به فهو كاسٍ.
(2) نسبته إلى الواقع عليه المتأثِّر به فهو مَكْسُوٌّ، وهذا المكسوّ له جهتان مختلفتان.
الجهة الأولى: كون المكسُوِّ آخذًا لِلْكُسْوة، لا بسًا لها.
الجهة الثانية: كون المكْسُوِّ مأخوذًا، مَلْبُوسًا، وهو نفسه الكُسوة.
فصار بهذا للكَسْوِ في الجملة ثلاثُ نِسَبٍ مَقْصُودَةٍ بالبيان.
وقِسْ على هذا المثال أشباهَهُ، مثل"علَّمَ الأُسْتاذُ تلميذَهُ عِلْمَ النحو - أعطَى الْمُحْسِنُ الفقيرَ صَدَقَةً - وهَبَ الله أَيّوبَ أَهْلَهُ ومِثْلَهُم مَعَهُمْ".