(2) نظرة تحليلية عامّة إلى دواعي التقديم
لمَّا كانت الجملة الفعلية هي الدرجة الأولى الدنيا في سلّم البيان عمّا يُراد التعبير عنه في اللّسان العربي، وكان الأصل فيها بمقتضى النظام المبتع فيه أنْ يصدرّ فيها المسند وما يقترن به من أدوات"وهو الفعل"وأن يأتي بعده المسند إليه"وهو افاعل أو ما ينوب منابه"كما ذكرت في المقدمة السابقة، كان تغيير هذا النظام بتقديم المسند إليه على المسند غير مستحسن إلاَّ إذا اقتضته ضرورة أو حاجة كالوزن الشعري، ومقتضيات السّجع، أو دعا إليه داعٍ بلاغيّ معنوي أو جمالي في اللفظ.
وقد درج ذوق الناطق العربيّ الفصيح على أن يكنّي عمّا سبق له أن ذكره بضمير ظاهر أو مستتر، مع العلم بأنَّ الضمير المستتر ملاحظٌ ذهنًا، لذا فله حكم الضمير الظاهر، ولو كان ستره وعدم ذكره أمرًا واجبًا في أسلوب التعبير العربيّ الفصيح.
فإذا أراد الناطق العربي الْقُحُّ الفصيح أن يخبر مثلًا بنزول المطر في موسم نزوله، ولم يجد أن من يخاطبه منكر، ولم يجد أنّ عليه شيئًا من علامات الإِنكار، وليس من غرض يقتضي منه أنْ يغيّر النظام الأوليَّ للكلام، فإنّه يقول عمّا حدث في الماضي:"نَزَل المطر"ويقول عمّا يجري حدوثُه مع كلامه:"يَنْزل المطر"ولا يجد داعيًا لأنْ يقدّم المسند إليه فيقول:"المطر نزل"أو"المطر ينزل".