فهرس الكتاب

الصفحة 295 من 894

والمعنى: إنّ السّقم الذي نزل بجسمي من الهمّ، والنّارَ التي أُضْرِمَتْ في قلبي منه، لم يكونا مني حتى أُلاَم على تأخّري عنك، بل وفَدا عليّ من قوّةٍ قاهرةِ لإِرادتي، فلم أجلُبْهُما ولم اسْتَطع رَدَّهُما، ولذلك قال بعده في القصيدة:

*فَلا تُلْزِمَنِّي ذُنُوب الزَّمَا * نِ إِليَّ أَسَاءَ وَإِيَايَ ضَارا*

ضارَ: مثل"ضَرَّ"يقال: ضارَهُ يَضيرُهُ ضَيْرًا، وضرَّهُ يضُرُّهُ ضُرًّا وضَرًّا.

ونظيره قول المتنبّي أيضًا يمدح علي بن عامر الأنطاكي:

*وَمَا أَنَا وَحْدِي قُلْتُ ذَا الشِّعْرَ كُلَّهُ * وَلَكِنْ فِيكَ من نَفْسِهِ شِعْرُ*

فقدم المسند إليه المنفيّ الذي خبره فعلي، لإِفادة التقوية والتخصيص، أي: ما أنا المنفرد وحدي بقول هذا الشعر، ولكن أعانني عليه شعري نفسُه، لأنّ شعري أرادَ مدحَكَ كما أرَدْتُه.

قال الْعُكْبَري: وهو معنى قول الطائي:

*تَغَايَرَ الشِّعْرُ فِيهِ إِذاْ أَرِقْتُ لَهُ * حَتَّى ظَنَنْتُ قَوَافِيهِ سَتَقْتَتِلُ*

تَغَايَرَ: أي: غار بعضه من بعض، أو تخالَفَ بعضه مع بعض.

المثال التاسع:

قول الرسول صلى الله عليه وسلم يوم حنين وهو على بغلته كما جاء عند البخاري ومسلم:

*أَنا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ * أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ*

فقدَّم المسندَ إليه في جملة اسمية خبرها يحملُ ضمير المبتدأ، مفتخرًا بثباته وقد فرَّ الناس، ومتفخرًا بنبوّته وبنسبه الشريف، لأنّ المقامَ يحسُنُ فيه الفخر، وقد علمنا من دواعي تقديم المسند إليه إرَادةَ الافتخار.

المثال العاشر:

قول أبي تمّام:

*وغَيْرِي يَأْكُلُ الْمَعْرُوفَ سُحْتًا * وَتَشْحَبُ عِنْدَهُ بِيَث الأَيَادِي*

سُحْتًا: السُّحْتُ: المال الحرام، وكلُّ ما خَبُثَ وَقَبْحَ من المكاسب، كالرشوة والْغُلُول والربا.

تَشْحَبُ: يتغير لونها. يريد أنّ بِيضَ الأيادي تظلّ عنده بيضاء فهو لا يجحدها ولا يكفرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت