فبدأ بالنبيّ، وعطفَ عليه المهاجرين، وعطفَ عليهم الأنصار الذين اتّبعوا الرسول في ساعة العُسْرَة، مراعاةً لأفضليات المراتب والدرجات.
ونلاحظ في سورة (التوبة) أيضًا ترتيبًا روعي فيه الترتيب الواقعِيّ في الأَحْدَاث، وهو قول الله عزّ وجلّ فيها بشأن الذين خرجوا مع الرسول لغزوة تبوك:
{ذالِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) } .
إنّ الذين خرجوا إلى غزوة تبوك وهذا صالح للتعميم في معظم الغزوات، أوّل ما أصابهم الظّمأ بسبب نفاد الماء، وانعدام مصادر الماء في طريقهم، وبعد ذلك أصابهم النَّصَبُ، وهو التعبَ، فالرحلة في أرض صحراء، وفي حرّ شديد، وبعد ذلك انتهت أزوادهم فنزلت بهم المخمصة، أي: المجاعة، وبعد اقترابهم من تبوك وَطِئُو موطئًا يغيظ الكفّار، وبعد ذلك نالُوا من عدوهم عند تبوك نيلًا فرح به الغزاة الخارجون مع الرسول من أهل الإِيمان والصدق.
فجاء الترتيب في الآية على وفق الترتيب في الأحداث، وهذا من دقّة الأداء البياني.
وقد يلاحظ في الترتيب تدرّج أحوال النفس، وهذا من مراعاة الترتيب في الواقع، ومنه ما جاء في سورة (عبس/ 80 مصحف/ 24 نزول) في وصف حالة الإِنسان يوم القيامة.
{يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) } .
فجاء الترتيبُ وفق ترتيب أحوال النفس، إذ يتخلَّى الإِنسان عند الضرورة عن الحبيب، فعن الأحبّ فعن الأشدّ حبًّا له، وأحبّ الناس إلى قلب الإِنسان بنوه، ودون ذلك صاحبته الحبيبة، ودونها أبواه، ودونهما أخوة.