الْمُنْتَأَى: أي: مَكَان الابتعاد.
والمعنى: فإنَّكَ - أيُّها الملك - بسبب قُدْرَتِك على الوصول إلى الْقَبْضِ عليَّ، والإِمْسَاك بي تشبه اللّيل الذي هو مُدْرِكي لا محالة أينما فَرَرْتُ منه قاصدًا أيّ مكانٍ من الأرض.
هذا واقع حالي بالنسبة إلى قدرتك على الظفر بي، وإنْ ظننتُ أنَّ مكان الابتعادِ عن جُنُودِ سلطانك في البلاد مكانٌ واسعٌ أَجِدُ فيه مفرًّا منهم.
لكِنَّ هذا المثال قابل للمناقشة أيضًا من وجوه:
الوجه الأول: أنّ استخدام"النابعة"أُسْلُوبَ تشبيه"النعمان"باللَّيل في قُدْرَتِهِ على الظفر بمن يَطْلُبُه من قومه أسلوبٌ أوْجَزَ فيه كلامًا طويلًا فهو مثالٌ يَصْلُح للإِيجاز لا للمساواة.
الوجه الثاني: من الملاحظ أنّ"النابغة"خاطب الملك بكاف الخطاب، وهو يريد سُلْطته عن طريق جنُوده، إذْ هو بشخصه لا يستطيع أن يُدْرِكَ النابغة لو أراد الفرار منه، وهذا من إطلاق السبب وإرادة المسبَّب، فهو من المجاز المرسل أحَدِ العناصر التي تُسْتَخْدَم للإِيجاز، والتقدير فإنّ سُلْطَتَكَ التي تَسْتَخْدِمُ فيها جُنُودُكَ الكثيرين كاللَّيْلِ الذي هو مدركي، وهذا إيجاز بالحذف.
الوجه الثالث: بالَغَ النابغة فشبَّه"النُّعمان"باللَّيل، فزادَ عمَّا يُريد التعبير عنه من أنّ الملك قادر على أن يوجّه أوامره فتلْحَق جنودُه بمَنْ يفرُّ منه فتقبض عليه، وهذه الزيادة ذات فائدة، فهي من الإِطناب الحسن.
الوجه الرابع: أنّ الشطر الأوّل من البيت كافٍ للدّلالة على مقصوده، إلاَّ أنه زاده تأكيدًا بقوله في الشطر الثاني:"وَإِنْ خِلْتُ أنَّ المنتأَى عنك واسعُ"وهذا إطنابٌ بِزِيادةٍ مفيدةٍ.
المثال الثالث:
قول الله عزّ وجلّ في سورة (الروم/ 30 مصحف/ 84 نزول) .
{مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} .