*مَا بَالُ دِجْلَةَ كَالْغَيْرَى تُنَافِسُهَا * فِي الْحُسْنِ طَوْرًا وَأَطْوارًا تُبَاهِيها*
*أَمَا رَأَتْ كَالِئَ الإِسْلاَمِ يَكْلَؤُهَا * مِنْ أَنْ تُعَابَ وَبَانِي الْمَجْدِ يَبْنِيها*
*كَأَنَّ جنَّ سُلَيْمَانَ الَّذِينَ وَلُوا * إِبْدَاعَها فَأَدَقُّوا فِي مَعَانِيها*
*فَلَوْ تَمُرُّ بِهَا بِلْقِيسُ عَنْ عَرَضٍ * قَالَتْ هِيَ الصَّرْحُ تَمْثِيلًا وتَشْبِيهَا*
*تَنْصَبُّ فِيهَا وُفُودُ الْمَاءِ مُعْجِلَةً * كَالْخَيْلِ خَارِجَةً مِنْ حَبْلِ مُجْرِيها*
*كَأَنَّمَا الْفِضَّةُ الْبَيْضَاءُ سَائِلَةً * مِنَ السَّبَائِكِ تَجْرِي فِي مَجَارِيها*
*إذَا عَلَتْهَا الصَّبَا أَبْدَتْ لَهَا حُبُكًا * مِثْلَ الْجَوَاشِنِ مَصْقُولًا حَوَاشِيها*
*فَحَاجِبُ الشَّمْسِ أَحْيَانًا يُضَاحِكُهَا * وَرَيِّقُ الْغَيْثِ أَحْيَانًا يُبَاكِيها*
*إذَا النُّجُومُ تَرَاءَتْ في جَوَانِبَها * لَيْلًا حَسِبْتَ سَمَاءً رُكِّبَتْ فِيهَا*
*لاَ يَبْلُغُ السَّمَكُ الْمَحْصُورُ غايَتَهَا * لِبُعْدِ مَا بَيْنَ قَاصِيهَا وَدَانِيها*
*يَعُمْنَ فِيَها بأَوْسَاطٍ مُجَنَّحَةٍ * كَالطَّيْرِ تَنْقَضّ فِي جَوٍّ خَوَافِيها*
*لَهُنَّ صَحْنٌ رَحِيبٌ فِي أَسَافِلِهَا * إِذَا انْحطَطْنَ وبَهْوٌ في أَعَالِيهَا*
*تَغْنَى بَسَاتِينُهَا الْقُصْوَى بِرُؤْيَتِها * عَنِ السَّحَائِبِ مُنْحَلاًّ عَزَالِيها*
*كَأَنَّهَا حِينَ لَجَّتْ فِي تَدَفُّقِهَا * يَدُ الْخَلِيفَةِ لَمّا سَالَ وَادِيها*
*مَحْفُوفَةٌ بِرِيَاضٍ لاَ تَزَالُ تَرَى * رِيشَ الطَّوَاوِيِسِ تَحْكِيهِ وَتَحْكِيهَا*
هذه الأبيات من شعر البحتري بمثابة عقد منظوم من التشبيهات البديعة، فلا تكاد تجد بيتًا فيها إلاَّ معتمدًا على وصْفٍ تشبيهي بديع، يسُرُّ أصحاب الأذواق الأدبيّة.