الوجه الأول: أن يكون ما جاء به المُغير أبْلَغَ من كلام السابق، لما فيه من تجويد في سبك الكلام، أو اختصارٍ، أو إيضاحٍ، أو زيادة معنى، أو نحو ذلك.
وهذا الوجه مقبول ممدوح، ومن أمثلة هذا الوجه، قول الشاعر:
*خَلَقْنَا لَهُمْ فِي كُلِّ عَيْنٍ وَحَاجِبٍ * بِسُمْرِ القَنَا والبِيضِ عَيْنَا وَحَاجِبًا*
أي: فقأنا عيونهم برماحنا فصَارتْ كالعيون تنزف دمًا، وضربناهم بالسُّيُوف على جباههم فجعلنا لهم مع كلّ حاجبٍ من الشَّعَر مثلهُ من ضربَةِ سَيْف.
أخذ ابْنُ نُباته هذا البيت وصاغَهُ صياغة أخرى فقال:
*خَلَقْنَا بِأَطْرَافِ الْقَنَا في ظُهُورِهِ * عُيُونًا لَهَا وقْعُ السُّيُوفِ حَواجبُ*
فزاد ابن نباتة معنى انهزامهم لشدّة رُعْبِهِمْ، ومطاردتهم، ونَقَلَ من السابق فكرة فتح العيُونِ ولكن في ظهورهم، ورسم الحواجب بالسُّيُوفِ فوقها، فاستُحْسِنَ عَمَلُ ابنِ نباته.
وقد يقال: إنّ بَيْتَ السّابق دلَّ على شدّة البأس، والسَّبْق إلى ضرب العدوّ قبل أن يتمكّن من الانهزام، وهذا أدَلُّ على الجرأة وسُرْعة الإِقدام.
الوجه الثاني: أن يكون جاء به المغير مساويًا لما جاء به السابق في بلاغته.
وهذا الوجه غير ممدوح ولا مذموم، على أنّ الفضل للسابق بلا ريب، ومن أمثلة هذا الوجه، قول أبي تمَّام وهو السابق:
*لَوْ حَارَ مُرْتَادُ المَنِيَّةِ لَمْ يَجِدْ * إلاَّ الفِرَاقَ على النُّفُوسِ دَلِيلًا*
أي: لو حار طالب المنيَّة لأحدٍ في اتّخاذ وسيلة لا تُكلِّفهُ عنتًا لم يجد إلاَّ وسيلة فراق الأحبّةِ.
أغار عليه المتنبي وصاغه بأسلوبه فقال:
*لَوْلاَ مُفَارَقَة الأَحْبَابِ مَا وَجَدَتْ * لَهَا المَنَايَا إِلى أَرْواحِنَا سُبُلًا*
قالُوا: البيْتانِ متكافئان في بلاغتهما.