أقول: بيت المتنبّي أدَقُّ وأوضحُ وأشْعَرُ، فقد خصّص الفراق بفراق الأحباب، ولم يتكلّف كما تكلّف أبو تمام بقوله:"مْرْتَادُ المنيّة"والمنايا لا تحتاج دليلًا يدلُّها على النفوس إنّما لها سُبُل، وهذا ما اختاره المتنبي، فهو في عمله مُغِيرٌ مُجِيد، ومُستَفِيد مُحْسِن.
الوجه الثالث: أن يكون ما جاء به المُغِيرُ دُونَ ما جاء به السابق في بلاغته، وهذا تقصير مذموم.
قالوا: ومن أمثلة هذا الوجه قولُ أبي تمّام وهو السابق:
*هَيْهَاتَ لاَ يَأْتي الزَّمَانُ بِمْثْلِهِ * إنَّ الزَّمَانَ بِمِثْلِهِ لَبَخِيلُ*
أغار عليه أبُو الطّيب فقال:
*أعْدَى الزَّمَانَ سَخَاؤُهُ فَسَخَا بِه * ولَقَدْ يَكُونُ بِهِ الزَّمَانُ بَخِيلًا*
الشطر الثاني من بيْتِ أبي الطّيّبِ مأخُوذٌ مِنْ أبي تمّام، إلاَّ أنَّ قول أبي تمّام:"إِنَّ الزَّمَانَ بمثْلِهِ لبَخِيلُ"أبلغ من قول المتنبي:"وَلَقَدْ يكُونُ بِهِ الزَّمَانُ بخيلًا"ففي عبارة:"ولَقَدْ يكُون"قُصُورٌ عن المعنَّى المجزوم به المؤكَّد في عبارة أبي تمَّام:"إنَّ الزَّمَانَ بِمِثْلِهِ لَبخِيلُ"وهذا واضح.
أما الشطر الأول بيت المتنبّي فقد جاء بنحوه أبو تمّام في قوله:
*عَلَّمَنِي جُودُكَ السَّمَاحَ فَمَا * أَبْقَيْتُ شيئًا لَدَيَّ مِنْ صِلَتِكْ*
ولأبي تمّام السبْقُ.
النوع الثالث:"السَّلْخُ"ويقال له"الإِلمام".
وهو أن يأخُذَ السَّالِخُ المعنى فقط دون اللّفظ، ولهذا النوع ثلاثة وجوه أيضًا:
الوجه الأول: أن يكون ما جاء به السَّالخ المُلِمُّ أحْسَنَ سَبكًا وبلاغةً ورصانة تعبير، وهو عَمَلٌ رَشيد ومَسْلَكٌ حميد، ومن أمثلته على ما ذكروا قول"البحتري"وهو السابق:
*تَصُدُّ حَيَاءً أَنْ تَرَاكَ بِأَوْجُهٍ * أَتَى الذَّنْبَ عَاصِيهَا فلِيمَ مُطِيعُها*
أي: من أجل ذنوب الوجوه العاصية تُلاَمُ الوُجُوه المطيعة.