فهرس الكتاب

الصفحة 881 من 894

أقول: بيت المتنبّي أدَقُّ وأوضحُ وأشْعَرُ، فقد خصّص الفراق بفراق الأحباب، ولم يتكلّف كما تكلّف أبو تمام بقوله:"مْرْتَادُ المنيّة"والمنايا لا تحتاج دليلًا يدلُّها على النفوس إنّما لها سُبُل، وهذا ما اختاره المتنبي، فهو في عمله مُغِيرٌ مُجِيد، ومُستَفِيد مُحْسِن.

الوجه الثالث: أن يكون ما جاء به المُغِيرُ دُونَ ما جاء به السابق في بلاغته، وهذا تقصير مذموم.

قالوا: ومن أمثلة هذا الوجه قولُ أبي تمّام وهو السابق:

*هَيْهَاتَ لاَ يَأْتي الزَّمَانُ بِمْثْلِهِ * إنَّ الزَّمَانَ بِمِثْلِهِ لَبَخِيلُ*

أغار عليه أبُو الطّيب فقال:

*أعْدَى الزَّمَانَ سَخَاؤُهُ فَسَخَا بِه * ولَقَدْ يَكُونُ بِهِ الزَّمَانُ بَخِيلًا*

الشطر الثاني من بيْتِ أبي الطّيّبِ مأخُوذٌ مِنْ أبي تمّام، إلاَّ أنَّ قول أبي تمّام:"إِنَّ الزَّمَانَ بمثْلِهِ لبَخِيلُ"أبلغ من قول المتنبي:"وَلَقَدْ يكُونُ بِهِ الزَّمَانُ بخيلًا"ففي عبارة:"ولَقَدْ يكُون"قُصُورٌ عن المعنَّى المجزوم به المؤكَّد في عبارة أبي تمَّام:"إنَّ الزَّمَانَ بِمِثْلِهِ لَبخِيلُ"وهذا واضح.

أما الشطر الأول بيت المتنبّي فقد جاء بنحوه أبو تمّام في قوله:

*عَلَّمَنِي جُودُكَ السَّمَاحَ فَمَا * أَبْقَيْتُ شيئًا لَدَيَّ مِنْ صِلَتِكْ*

ولأبي تمّام السبْقُ.

النوع الثالث:"السَّلْخُ"ويقال له"الإِلمام".

وهو أن يأخُذَ السَّالِخُ المعنى فقط دون اللّفظ، ولهذا النوع ثلاثة وجوه أيضًا:

الوجه الأول: أن يكون ما جاء به السَّالخ المُلِمُّ أحْسَنَ سَبكًا وبلاغةً ورصانة تعبير، وهو عَمَلٌ رَشيد ومَسْلَكٌ حميد، ومن أمثلته على ما ذكروا قول"البحتري"وهو السابق:

*تَصُدُّ حَيَاءً أَنْ تَرَاكَ بِأَوْجُهٍ * أَتَى الذَّنْبَ عَاصِيهَا فلِيمَ مُطِيعُها*

أي: من أجل ذنوب الوجوه العاصية تُلاَمُ الوُجُوه المطيعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت